الإبل.. إرث يتجدد في الإمارات

الإبل.. إرث يتجدد في الإمارات

الاثنين 20 شباط (فبراير) 2012 الساعة 09:49

أبوظبي - شيخة الغاوي: مع اعتدال حرارة الجو في مثل هذا الوقت من كل عام يشهد بر الإمارات ازدحاما وحركة غير عادية عندما تباري كل سيارة دفع رباعي مع شروق الشمس وإطلالة يوم جديد مجموعة من الإبل متجهة نحو مقصدها للوصول إلى الريس « ميدان سباق الهجن ».

والمار بجوار هذه الأماكن يستغرب هذا المشهد خاصة عندما يرى ضيوفا أجانب كثر يفدون إلى الريس ومن الوهلة الأولى يتوقع أنها مسيرات فرح وأعراس لا تخلو من مدعوين أجانب ولكن المتتبع لها وبوصولها لوجهتها يكتشف انها مسيرات من أجل الوصول إلى مضامير السباق والفوز بالناموس والاحتفال بالجوائز وإتمام صفقات بيع وشراء الإبل والهجن.

والعالمون ببواطن الأمور لا يستغربون هذا المشهد اذ عرفت دولة الإمارات العربية منذ قديم الزمان بأنها موطن الجمل العربي حيث كانت الإبل وعلى مدى آلاف السنين جزءا لا يتجزأ من نسيج الحياة بالنسبة للقبائل الإماراتية بسبب قدرتها على الصبر والتحمل في ظل الظروف الطبيعية والمناخية القاسية في الصحراء.

واليوم وأمام زحف الحضارة الحديثة تراجع دور الإبل في حياة سكان الإمارات إلا أن البعض ما يزال متمسكا بها كجزء من التراث ووفاء لما درج عليه الأجداد وباتت تربية الهجن تجد الإقبال الكبير من محبي هذه الرياضة خصوصا بعدما وجدت الدعم الكبير من الدولة مما دفع بالكثير من الشباب إلى ممارسة هذه الهواية.

يتذكر المواطن علي بن ضبيب العامري في مجلسه المقام على أحد الكثبان الرملية في واحة ليوا الأيام الخوالي بحلوها ومرها ولكن عندما يأتي الحديث عن الإبل يستوي ويعتدل في جلسته ويمد بصره بعيدا فوق الكثبان الرملية ويتذكر رحلة طويلة شاقة اعتاد ان يقوم بها فوق ظهور الإبل إلى مدينة زايد التي تبعد عن الواحة حوالي مائة كيلومتر فتستغرق الرحلة حوالي يومين ذهابا ومثلها إيابا.

يقول العامري: سكنا في هذه الواحة الواقعة على تخوم الربع الخالي وكانت تسكن معنا في هذه الواحة قبائل كثيرة واعتدنا الذهاب الى مدينة زايد وابوظبي على ظهور الإبل ولكن كانت رحلتنا تزداد صعوبتها عندما يكون معنا مريض نطلب له العلاج في ابوظبي فتأخذ الرحلة أسبوعا لنصل وجهتنا.

وقصة هذه الرحلة ليست قصة انتقال من مكان إلى مكان فحسب وإنما تختصر بتفاصيلها علاقة القبائل العربية الوثيقة مع الإبل التي كانت تشكل بالنسبة لها وسيلة نقل ورفيق درب في هجير الصحراء الموحشة ومصدرا للحم واللبن والوبر الذي يستخدم في نسج السجاد والخيام والملابس .
ويضيف العامري: كانت مدينة زايد أرضا جرداء تخلو من الحركة والحياة لا نفرق بينها وبين الكثبان الرملية حولها إلا ببعض آبار المياه والتي منها « البابه والطوي وبدع ثلاب واليربوب » ثم أمرنا المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قبل الاتحاد ان نحفر المزيد من الطوايا وحفرنا طوي وأسميناه « بدع زايد » وفيما بعد أصبحت « مدينة زايد » في نفس المكان والآن دولة الإمارات في عصر الازدهار والتقدم والحضارة لكننا نهتم بإبلنا أكثر من اهتمامنا بالسيارات الرباعية الدفع لأن الإبل لها عشق خاص في نفوسنا وهي موروث شعبي يهم الجميع.

ويلتقط الشاب عبيد بن ثعيليب العامري أطراف الحديث قائلا « في عصر السرعة والتكنولوجيا المتقدمة والطائرات والسيارات لا تزال الإبل سيدة الصحارى وما زالت تغري عشاقها بالرهان على سرعتها وجمالها واقتناء سلالاتها النادرة وسكان البادية لا يستبدلون الجمل بوسائل الرفاهية الحديثة لأنهم يعتبرونه جزءا من تراثهم وصديق وفي لهم في أحلك الظروف ».

ويضيف « تتحول البادية كل عام وخلال فترة الشتاء إلى أشبه إحدى المدن الرئيسية لما تشهده من كثافة الزائرين والذين يفدون إليها من كافة المدن إضافة إلى دول الخليج العربي للاشتراك ومتابعة السباقات مما يخلق سوقا رائجة للإبل في الدولة فيما يحتفل أهل الإبل الفائزون بأهازيج وأشعار وقصائد بإبلهم ».

ويتابع العامري « ليس بغريب ان تهتم شريحة كبيرة في المجتمع الإماراتي بالإبل فأينما ذهبت إلى صحراء واسعة أو واد سحيق أو ساحل ممتد أو هضبة مرتفعة أو حتى جبل شاهق في أرجاء الإمارات المختلفة تجد الإبل العربية عالية القامة تتبختر في مشيتها تذكرك بالماضي وذكرياته والحاضر وإنجازاته والمستقبل وطموحاته ».

ويواصل « الإبل تأصلت في أفئدة المهتمين بها ونمت في وعيهم واستأثرت بالمنزلة الكبيرة في كيانهم الاجتماعي والاقتصادي حتى باتت شعرا رقيقا ومثلا شعبيا وقولا مأثورا فضلا عن الحكمة الصائبة والموعظة الحسنة ».

ونوه في هذا الإطار باهتمام الدولة بالمحافظة على التراث الإماراتي ـ والذي تلعب فيه الإبل دورا بارزا ـ فقد تم تخصيص مناطق لإقامة عزب « حظائر » خاصة بالهجن على احدث المواصفات وتم تجهيزها بمضامير سباق حديثة مثل الوثبة وسويحان والسمحة والخزنة بأبوظبي وفي منطقة المقام بمدينة العين وفي ند الشبا في دبي وكذلك في مدينة زايد وغياثي وليوا والسلع بالمنطقة الغربية والذيد بالشارقة والتلة في عجمان والسوان في رأس الخيمة واللبسة في أم القيوين حيث تشهد كل هذه الميادين منافسات قوية من أجل الفوز بالجوائز المخصصة لكل سباق.

وأكد ان إدارات هذه الميادين تحرص على المشاركة في الاحتفالات الوطنية والمناسبات المختلفة وإقامة سباقات الهجن وركض العرضة التقليدية.

وأضاف العامري « اليوم تطورت سباقات الهجن وأصبحت أكثر تنظيما وتطويرا مع وجود اتحاد سباقات الهجن ومع دخول الركبي الآلي وهذا انعكس بالتالي على الهجن والعناية والاهتمام بها حتى أصبحت أسرع من قبل في السباقات ».

وزاد « أناشد المسؤولين إنشاء أكاديمية للهجن على غرار الأكاديميات الأخرى لتعليم التضمير والعلاج والتعامل مع الإبل والهجن عن قرب ونقل الخبرات التي في الصدور إلى سطور الكتب عبر الاستفادة من خبرة كبار السن وبالتأكيد الأشخاص المبحرين مع هذه التقاليد العريقة التي تمتاز بها الإمارات للحفاظ عليها ».

وانتهى للقول « هذه المنافسات تتعدى كونها مهرجانات يلتقي فيها المتنافسون لحصد الجوائز إلى دخول الإبل عصر التقنيات الحديثة » ..لافتا إلى ان تكريس الاهتمام بها سوف يجعلها تنافس في صنع السياحة الصحراوية والمشاركة في توفير الأمن الغذائي من خلال طاقاتها الإنتاجية الكامنة ودعمها في علاج الأمراض من خلال مكنوناتها الطبيعية المخبأة.

من جانبه يقول المواطن سالم بن المتفيج الكتبي من منطقة المدام: الهجن الإماراتية بصفة عامة يمكن تصنيفها كإبل متعددة الأغراض فهي تصلح للركوب أو السباق كما يتم تربيتها للحمها أو حليبها ويحرص الإماراتيون على هذه الحرفة بعد أن أصبحت تدر عليهم دخلا عاليا خاصة تربية إبل السباق حيث يصل سعر الواحدة منها إلى ما يزيد على مليون درهم إماراتي.

ويضيف « تختلف تربية إبل السباق عن الإبل التي تعد للنقل والترحال فالأولى تقدم إليها أغذية خاصة كعسل النحل والسمن وحليب البقر وهي جميعها محلية وتحظى كذلك بعناية خاصة من حيث نظافتها ومتابعة حالتها الصحية بشكل يومي وهناك أربع مراحل مهمة لإعداد الناقة لتكون من إبل السباق وهي: »الاختيار ومرحلة الترويض ومرحلة التضمير ومرحلة التأهيل للسباق".

ويتابع الكتبي « يتم البدء بتدريب الهجن عادة في السنة الثانية من عمرها »الحشوان" وتستعمل العديد من الأساليب في عملية الترويض التي تبدأ بتقييد الناقة البكر لفترة من الزمن حتى تتعود على الهدوء والاستقرار وبعد هذه المرحلة يجري تعليمها الجلوس والانقياد والركوب وعملية القلص مع الإبل الأخرى ثم تدريبها على الركض الخفيف بالتدرج المعقول حتى تصل إلى الركض الشديد بما يتناسب مع قدرات كل ناقة وتستغرق هذه المرحلة نحو سبعة أشهر « .

ويضيف » في نهاية هذه الفترة يتم تصنيف الإبل حسب صلاحيتها وتبدأ عملية التدريب التي تسمى محليا بعملية « التضمير » الذي يعني « التخسيس » في المقام الأول عادة في شهر يوليو وتستمر حتى نوفمبر وتعقبها مرحلة « التفحيم » التي يقصد بها مجموعة من التمارين والركض لمسافات مختلفة بهدف اكتساب اللياقة والاستعداد لخوض السباقات وفترة التفحيم قد تمتد من شهر أغسطس وحتى شهر إبريل والتفحيم عادة يسبق إقامة السباق حيث يتم تدريب الناقة في بادئ الأمر سيرا لمسافة خمسة كيلومترات يوميا لمدة شهر ثم إلى مسافة سبعة كيلومترات وأخيرا مسافة عشرة كيلومترات لفترة معينة بعدها تصبح الناقة جاهزة لخوض السباقات وتختلف طريقة التضمير والتفحيم من مضمار لآخر لكن تبقى الفكرة الأساسية متشابهة بين المضمرين وهي أن يكون التمرين بالتدريج من الأسهل إلى الأصعب « .

ومضى الكتبي يقول »كان في الماضي يتأكد « المضمر » من صحة الإبل من عينيها وأكلتها ونشاطها أما اليوم فتتم الاستعانة بطبيب بيطري ليفحصها".

وشدد على ان سباق الهجن والعناية بها وتربيتها لا تعد رياضة فحسب بل واحدة من العادات والتقاليد القديمة التي لازمت العرب منذ القدم وخصصوا له الجهد والوقت الكبير حيث حظيت ميادين الهجن بدعم كبير لا ينسى من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان « طيب الله ثراه » الذي أولى سباق الهجن الاهتمام البالغ وغير المسبوق وكان له إسطبلات تضم مشاهير النوق التي تعرف بالأصايل.

ويتابع « من السلالات التي تتميز بها الإمارات مصيحان وصوغان وبن ضبيان فمن سلالات مصيحان هملول وخديدات وشاهين ».

بدوره يقول المواطن محمد سالم بن ثعلوب الكتبي من مدينة العين « الجمل بالنسبة للبدوي ليس مطية فقط فمن الناقة يأتي الحليب الذي كان الأطباء الشعبيون يصفونه كمصدر للقوة والصحة ويجلب البدوي ناقته في الصباح الباكر قبل أن تنشر »أي تذهب للرعي" وعندما ترجع وقت الغروب يوضع الحليب في « قدر » ويجلس أفراد العائلة في دائرة بينما يطوف القدر على كل فرد منهم.

ومضى يقول « رغم أن البدو في البادية قد تحضروا في العقود الأخيرة لكن مازال حليب النوق مفضلا لديهم ولا يستغنون عنه ».

ويضيف « مذاق حليب الناقة أشهى عندما يشرب بعد حلبه مباشرة حيث يكون دافئا في تلك الأثناء وهو يختلف عن نظيره المحلوب من الأغنام أو الماعز أو الأبقار لكونه »حلو المذاق لأن نسبة السكر فيه أعلى" إلا أن على من يشربه للمرة الأولى اتخاذ الحذر.

ويتابع الكتبي « يستفيد قاطنو الصحارى من الجمال في أشياء متعددة فلحمها يقدم في الولائم الكبيرة ومن صوف الجمل تصنع الخيام وبعض مشغولات الغزل بل وحتى »روث" الجمل له فائدة حيث يحرق للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة أو حتى لعمليات الحساب والعد قديما".

ويقف الطفل سلطان سعيد عبدالله « 6 سنوات » تحت « عنايد والشديد » في ميدان التلة بعجمان قائلا « سبق وان سجل والدي »عنايد والشديد" باسمي في السباق كنوع من التفاؤل ومن يومها شاركت بعنايد كفطيم والشديد قعود وقد فازت عنايد وتأهل الشديد مما زاد تعلقي بالإبل وأصبحت أذهب مع والدي يوميا للعزبة واعتني كثيرا بالنوق الموجودة وأصبحت على ارتباط وثيق معها أقدم لها الغذاء وأقوم برعايتها وتقديم الطعام لها وهي تعطينا الحليب وتعلمت منها الصبر والقوة وقهر الصحراء وقساوتها.

الجدير بالذكر ان عدد الإبل بدولة الإمارات يقدر بحوالي نصف مليون رأس حسب آخر إحصاء لوزارة البيئة والمياه.

«العرب أونلاين»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م