موريتانيا بين رسائل العسكر والنار والحوار

موريتانيا بين رسائل العسكر والنار والحوار

الخميس 16 شباط (فبراير) 2012 الساعة 19:42

بقلم : المختار السالم — صحيفة «الخليج»
فيما ودعت نواكشوط هذا الأسبوع ثاني ضحايا الحركة الاحتجاجية، المعلم عبدالرحمن ولد بزيد (28 عاماً)، الذي أضرم النار في نفسه أمام القصر الرئاسي في نواكشوط احتجاجاً على وضعه المعيشي، وتعطل الدراسة بجامعة نواكشوط، ويبدأ اليوم (الخميس) زعماء منسقية المعارضة جولتهم الثانية في “مهرجانات الغضب”، تتصاعد نذر التصعيد والمواجهة والقمع والاعتقالات في مقابل عرض الحوار، تدخل موريتانيا هذا الأسبوع بمستجدات عدة تشكل نقلة نوعية في أزمتها السياسية العابرة للسنوات .

على صعيد المؤسسة العسكرية، تمت ترقية 170 ضابطاً دفعة واحدة ومن مختلف فروع الجيش (الجيش، الدرك، الحرس، البحرية) إلى رتبة جنرال وعقيد ومقدم ورائد ونقيب وملازم، وتقدم هؤلاء الجنرال محمد ولد الغزواني قائد أركان الجيش الذي رقي إلى رتبة “فريق”، أعلى رتبة في تاريخ الجيش الموريتاني .

وحمل هذا القرار مؤشرات عدة، فمن ناحية اقتصرت الترقيات في هرم المؤسسة العسكرية (رتبتا جنرال وعقيد) على الدائرة العسكرية الضيقة المحيطة بالرئيس محمد ولد عبد العزيز، إلا أن عشرات الترقيات الأخرى صبت في ما يمكن اعتباره “لفتة عدالة” إلى العديد من الضباط المنسيين .

وجاء ذلك بعد تسريبات عن تغييرات غير معلنة في “الحرس الرئاسي” (الحمض النووي للنظام)، والذي يشكل قوات موازية للجيش تتمثل مهمتها في تأمين النظام .

إن هذه الترقيات والتغييرات في هرم المؤسسة العسكرية تعتبر بمثابة رسالة تطمين لرفاق الانقلابات والسلاح وترتيب و”تحصين” للبيت العسكري من الداخل، في وقت تتصاعد فيه أفقياً الاحتجاجات من طرف الحركة المطلبية (العمال، الطلاب، الحقوقيين، والمتظلمين)، وتشتد فيها الأزمة السياسية مع المعارضة التي باتت تنشد التغيير بأي طريقة، وركزت أطرها خلال الفترة الأخيرة على “الابتهال” إلى الجيش من أجل التغيير، ومن هنا تفهم خطوات كسب الجيش على المستوى الداخلي، لكن لا يمكن إهمال متطلبات تأثير هذا الإجراء في زيادة فاعلية الجيش الذي يخوض مواجهة مع القاعدة والهجرة السرية وشبكات التهريب، في ظل التطورات الجارية كذلك على مستوى دول الجوار حيث الحرب الدائرة شرقا في جمهورية مالي، والاضطرابات السياسية في السنغال جنوباً .

وبينما تتفاعل “ترقيات” الضباط في بعدها الأمني والوقائي والاجتماعي، ضرب الرئيس ولد عبدالعزيز الساحة بقرار من العيار الثقيل، مفاده تأجيل الانتخابات العامة (شيوخ، نواب، بلديات) إلى “أجل غير مسمى”، وتم هذا القرار من دون التشاور مع منسقية المعارضة، التي بادر قادتها إلى الاجتماع وبحث هذا الملف الخلافي .

سبق ل”الخليج” أن بينت العراقيل التي تعترض ملف الانتخابات الموريتانية، والمتمثلة أساساً في جانبها التقني حيث لم تستطع الإدارة توفير الحالة المدنية (هوية الناخبين) في الأجل المحدد للانتخابات إبريل/نيسان المقبل، إلا أن تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى يفتح المجال أمام تساؤلات من قبيل هل امتطى الرئيس ولد عبد العزيز نواقص الشفافية للهرب من الانتخابات في ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد (أزمة مع المعارضة، عجز عن مواجهة الحركة المطلبية، كارثة الجفاف والأزمة المعيشية، الأزمة العرقية . . . إلخ) . هل باتت الانتخابات مربوطة باكتمال تقييد السكان عبر مشروع الحالة المدنية البيومترية الحالية، التي لا يتوقع أن تكتمل قبل سنتين على الأقل، وبذلك رحّل الرئيس ملف التشريعيات إلى أفق 2014 لتتزامن مع الانتخابات الرئاسية، وهو قرار مثير، ويعبر عن المخاوف في هذه الفترة من فتح ملف المغاضبين، ومواجهة انتخابية لجمهور تكاد رياح الربيع العربي تزكم أنفه .

هل جاء تأجيل الانتخابات لفتح الفرصة أمام حوار ثان مع المعارضة يراه المراقبون أمراً بات حتمياً في ظل تحرك القوى السياسية المناوئة لفرض نوع من التوازن والاستقلالية على مستوى مؤسسات صنع القرار في البلاد، حيث تطالب المعارضة بفصل واضح بين مؤسستي رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية، وبتخليص المؤسسات التشريعية والقضائية من نفوذ السلطة التنفيذية، وفوق ذلك إخراج الجيش بشكل نهائي من الشأن السياسي؟

لا شك في أن تأجيل الانتخابات لفترة مفتوحة، يتيح لقطبي الصراع السياسي في موريتانيا مزيداً من الوقت لترتيب أوراق اللعبة الأكبر، وهي الصراع على كرسي الحكم، هذا بغض النظر عما يتركه هذا الإجراء من بقع داكنة في صورة المؤسسة الانتخابية في البلاد، وما تعلنه المعارضة من اتهام للنظام بتدمير المؤسسة الانتخابية .

وفي هذا الإطار يمكن فهم المساعي المفاجئة للرئيس ولد عبد العزيز شخصياً للتهدئة والدعوة للحوار، والتغاضي عن الهجوم المتصاعد من طرف زعماء منسقية المعارضة . إذ يرى مراقبون أن الظروف باتت تفرض على الرئيس البحث عن طاولة حوار جديدة، تفضي إلى تحقيق حدود دنيا من التوافق، أو تعطيه الفرصة لكسب مزيد من الوقت وتجاوز بعض الأزمات الآنية المؤثرة ككارثة الجفاف التي تجعل من المستحيل التكهن بالمزاج الانتخابي لسكان الداخل المؤثرين انتخابياً .

كما أن منسقية المعارضة الموريتانية رغم استغلالها لملف الانتخابات، ومن خلالها الطعن في عجز النظام عن تسيير المؤسسات الديمقراطية، لا تبدو أطرافها المؤثرة، أو بعضها على الأقل، متعجلة في اللجوء إلى الانتخابات لقناعتها بعدم حسم الاقتراع لمصلحتها في ظل المنظومة الانتخابية والإدارية التقليدية القائمة حالياً، وبدلاً من ذلك سيكون التأجيل في خدمتها عسى أن تنضج سلسلة الأزمات الحالية وأخطاء النظام ظروفاً أخرى تمكنها من التغيير أو المشاركة في السلطة وفق آليات متعددة .

إن طرفي الأزمة السياسية الموريتانية باتا يقتربان من “توازن الضعف” فكل منهما وصل إلى منتصف الشوط متعباً، وفي أفق تأجيل الانتخابات، والدعوة للحوار، والضغوط الداخلية والخارجية على الطرفين لا يستبعد اللجوء مرة أخرى إلى “أنصاف الحلول” وتحكيم الحوار في هذه الفترة بدل الاقتراع، رغم أن زعماء المنسقية مصرّون على عدم التخلي عن خطاب التصعيد في جميع الأحوال، لكن لخطاب التصعيد درجات عندما يتعلق الأمر بشوق النخبة الموريتانية إلى مبررات ومكاسب الحوار، وهو ما تجلى بشكل واضح في نتائج الحوار الأخير بين النظام وأربعة من أحزاب المنسقية بقيادة رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير .

الحركة المطلبية

يراهن محللون عدة في موريتانيا على الحركة الاحتجاجية المتصاعدة، باعتبار أنها قد تكون بديلاً للعبة المساومة بين الطبقة التقليدية (النظام والمعارضة)، وأخذت هذه الحركة هذا الأسبوع منحى جديداً بعد إضراب طلاب الجامعة، وعودة حركتي “لا تلمس جنسيتي القومية الإفريقية” و”25 فبراير” للتظاهر، وعودة بعض الحركات الراديكالية مثل “ضمير ومقاومة” للتصعيد الإعلامي والسياسي، هذا فضلاً عن التظاهرات والاعتصامات المطلبية للعمال والمتضررين والمتظلمين والسكان الشاكين من الأزمة المعيشية في أغلب مناطق البلاد .

لقد قوبلت هذه الحركة الاحتجاجية بقمع شديد واعتقالات، حيث تم مثلاً السبت الماضي اعتقال أكثر من 20 محتجاً متظاهراً، وتتبع السلطات الأمنية أسلوب الاعتقال لفترة محدودة وإطلاق السراح من دون متابعات أو محاكمات، وذلك في ما يبدو محاولة لإرهاق المتظاهرين ووأد حماستهم بالاختراق من الداخل .

وتخشى السلطات من تحول هذه الاحتجاجات، وخاصة الطلابية منها، إلى رأس حربة للثورة الشعبية التي يهدد بها أكثر من طرف، وقد ألمح وزراء عدة في الحكومة إلى وقوف التيار الإسلامي الموريتاني (حزب “تواصل”) وراء تحريك الساحة الطلابية لأغراض سياسية، وهو ما ذهب إليه الحزب الحاكم (الاتحاد من أجل الجمهورية) الذي اتهم من سماهم “الأطراف الأكثر تطرفاً في منسقية أحزاب المعارضة” بالزج بالطلاب في أتون التجاذبات السياسية، واستخدامهم “دروعاً بشرية” في “المواجهة الخاسرة”، في إشارة للثورة، التي بات من الواضح أنها تعد لها العدة باستماتة، ضد المجتمع ومؤسساته .

يمكن القول إن الحركة الاحتجاجية الموريتانية ولدت على هامش انقلاب 6 أغسطس/آب ،2008 وتصاعدت بعد انتخاب الرئيس محمد ولد عبدالعزيز ،2009 وشهدت نقلة نوعية سنتي 2010 و،2011 مع ظهور أصحاب المظالم الإدارية والنقابية، وحملة الشهادات المعطلين، ثم احتجاجات سكان الداخل المطالبين بتحسين أحوال المواطنين . وما سهل التعامل مع هذه الحركة حتى الآن هو أنها لم تستطع التوصل لنسج خيط ناظم لنشاطاتها من جهة، وتقاعس كبار أحزاب المعارضة من جهة أخرى عن الإلقاء بثقلها وراء هذه الحركة، التي استغلتها المعارضة إعلامياً وسياسياً من دون أن تواكبها ميدانياً، هذا فضلاً عن الخبرة الأمنية غير التقليدية في الالتفاف على الحركات الاحتجاجية، واستغلالها بما يثير المخاوف منها ويعزلها اجتماعاً بدلاً من حصولها على التعاطف الشعبي المؤثر .

وحتى اليوم لا تزال الحركة الاحتجاجية الموريتانية الصاعدة من “القاع” مثل الموج تنتهي عند الشاطئ، ولم ترق بعد لمستوى “تسونامي” قادرة على الاختراق والتأثير، لكن الملاحظة الأهم هنا أن قوى عدة بدأت السعي لنزع فتيل الخوف المتبادل بين المكونات الاجتماعية والعرقية في البلاد، تمهيداً لحراك احتجاجي مؤثر، وتخشى هذه القوى أن يحاصر جهودها حوار جديد بين النظام والمعارضة .

المختار السالم — «الخليج»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م