بوكو حرام والتهديد الإقليمي

بوكو حرام والتهديد الإقليمي

الجمعة 3 شباط (فبراير) 2012 الساعة 11:59

فاندا فيلباب براون وجيمس فورست
كريستيان سيانس مونيتور
ترجمة قاسم مكي

يتنامى القلق حول ارتباط جماعة بوكو حرام في نيجيريا بتنظيم القاعدة وحركة الشباب في الصومال وتحولها إلى جزء من تهديد إرهابي منسق للمتطرفين الاسلاميين في إفريقيا. ولكن في أكثر الأحيان نجد أن الهجمات التي تشنها الجماعة لها أسباب محلية. وقد جذبت الهجمات الاخيرة لهذه الجماعة الارهابية المحلية في نيجيريا الانظار باتجاه غرب افريقيا باعتبارها أرض المعركة الاقليمية القادمة ضد عنف الجهاديين الدوليين. غير أن الصراع هناك محلي وليس اقليميً على الرغم من وجود مخاوف بعكس ذلك في بعض أجزاء إفريقيا وفي الغرب. وفي خلال هذا الشهر شاطر الامين العام للامم المتحدة بان كي مون وزير الخارجية النيجيري الاطلاع على تقرير اثار قلقا متناميا في المنطقة» حول وجود ارتباطات محتملة بين بوكو حرام التي تتمركز في الشمال النيجيري المسلم وبين القاعدة في المغرب الاسلامي. كما ان كبار المسؤولين الامريكيين قلقون أيضًا من مثل هذه الصلة وكذلك من ارتباطات مفترضة بحركة الشباب في الصومال. وقد اغلقت نيجيريا حدودها للحيلولة دون دخول حركيين اسلاميين. وتبدو باتخاذها هذا الإجراء وكأنها تحاول التحقق من وجود مبرر فعلي لهذه المخاوف. غير أن الايدولوجيا السياسية المتعصبة يتم استخدامها في نيجيريا كما في باكستان كغطاء لنزاعات اقتصادية وقبلية محلية كثيرة. إن هذا التجذر(الايديولوجي) العميق في سياقات سياسية شديدة المحلية وطموحات اقتصادية يعرقل في واقع الامر جهود الارهابيين في تأسيس حركة جهادية لعموم افريقيا.

JPEG - 75.3 كيلوبايت
قائد « بوكو حرام » أبو بكر شوكو

إن حركة بوكو حرام هي الجماعة النيجيرية الأشد ظهورًا وشرورًا. ولكنها ليست الوحيدة. ففي الجنوب الغني بالنفط تجوس حركة الخلاص لدلتا النيجر في منطقة المستنقعات وتؤسس روابط مع السياسيين في المدن المتداعية هناك. كما أن بوكو حرام ( التي يعني اسمها «التعليم الغربي حرام») ليست هي الحركة الجهادية الوحيدة في نيجيريا. فحركة الحسبة وهي مجموعة من العصابات الاسلامية (المترصدة) تنشط أيضا في الشمال. وكلا الجماعتين تستمد نفوذها من عنف قبلي استمر على مدى عقود وسط المجتمعات المحلية في نيجيريا. وهو عنف كثيرًا ما يتلاعب به السياسيون بغرض استخلاص مكاسب سياسية وارباح منه. ويتم في العادة تصوير مظالم الجماعة باعتبارها دينية. حقًا ان حركيي بوكو حرام غالبًا ما يستهدفون المسيحيين. في عام 1999 تبنى الشمال قانون الشريعة. غير ان ذلك لم يضع حدًا لتعبئة الاسلاميين هناك. كما انه لم يعالج السخط العميق من الظروف الاقتصادية والاجتماعية وسوء الحكم. بدلا عن ذلك فان الايدولوجيا الدينية المجلجلة والصاخبة كثيرًا ما تغطي على الاسباب الحقيقية للعنف الذي تغذيه عوامل اقتصادية. فمثلا لقد أدت هجرة مجموعة الهوسا الفلاني العرقية إلى أرض مجموعة اليوروبا إلى انفجار الصراع هناك.

وحقيقة أن اليوروبا مسيحيون في حين أن الهوسا مسلمون لم يكن لها سوى أثر ثانوي في ذلك الصراع. بل ان الهوسا والفلاني وجماعة بوكو حرام يحشرون الدين في خميرة مظالم طال امدها. وهي مظالم تتعلق بتوزيع الثروة والسلطة وبالفساد وعدم العدالة. وقد كانت استجابة الحكومة النيجيرية ضعيفة ليس فقط ازاء التوترات المجتمعية المتطاولة ولكن ايضا تجاه حالة بوكو حرام. وكثيرًا ما تجاهلت الحكومة التوترات أو أهاجتها في حين انها ترد بقسوة وبلا تمييز وفي إفراط على بوكو حرام. وعلى الرغم من ان شرطة نيجيريا تملك قدرات أكبر من معظم قوات الشرطة في غرب إفريقيا إلا أنها تفتقر بشدة الى القدرات الاستخبارية والى إمكانية إحباط الهجمات قبل حدوثها أو تعقب مرتكبيها الحقيقيين الذين يكونون أحيانًا على صلة بكبار السياسيين المحليين. وكما في معظم غرب افريقيا فان نظام الحكم في نيجيريا اتصف على مدى عقود بميل جشع لاقتناص المال وسط النخب الحاكمة وبتطور مؤسسي ناقص اصاب كل شيء بدءًا من سيادة حكم القانون وحتى الخدمات الاجتماعية. وكثيرا ما تتركز المنافسة السياسية حول القدرة على استغلال اجهزة الدولة للسيطرة على الموارد الطبيعية بما في ذلك النفط. وقد تم بناء الحكم على اساس الولاءات القبلية والعشائرية والعائلية.

وبعد اكثر من 10 أعوام من نهاية دكتاتورية الجنرال ساني اباشي بدأت النظرة السائدة إلى المواقع الحكومية كوسيلة للثراء الشخصي ولمصلحة شبكة المحاسيب بدلا من توجيهها لخدمة كل النيجيريين تتغير ببطء في نيجيريا. كما تهيمن المصالح والولاءات العائلية على التعاون وسط الجهاديين في كامل المنطقة. وعلى الرغم من ان حركات القاعدة في المغرب الاسلامي والشباب وبوكو حرام قد تتواصل على صفحات الجهاديين نفسها على الانترنت وتقتبس التكتيكات من بعضها البعض الا ان تصريحاتها وبياناتها الدولية كثيرًا ما تصطدم بمصالحها وضرورياتها المحلية. إن الكيفية التي تتمكن بها الجماعات الارهابية من «الابحار» في مناطق جغرافية جديدة تعتمد على فهمها للثقافات المحلية والعلاقات المعقدة بين السياسيين وسماسرة السلطة غير الرسميين والشبكات الاقتصادية القانونية وغير القانونية. إن نجاحها (خارج مناطقها الاصلية) يعتمد على نحو حاسم على المعيقات والترابطات الاجتماعية لفروعها المحلية. فمثلا حتى أوان ظهور حركة الشباب صارعت المجموعة الرئيسية للقاعدة في منطقة افغانستان – باكستان بشدة لتاسيس قاعدة في الصومال. غير انها وجدت ان صراعات العشائر الصومالية مسألة مبهمة وشديدة الاستغلاق عليها إلى حد بعيد وان المنطقة غير مناسبة لشن جهاد دولي. كما ان المتاعب الاخيرة لحركة الشباب نشأت بالضبط من تجاوزاتها العسكرية والاجتماعية.

وبدلا عن اللجوء غريزيا الى تصوير حركة بوكو حرام كفرع جديد للقاعدة تقتصر اجندته على شن جهاد دولي فانه لمما يلزم السياسة الامريكية المضادة للارهاب ان تتخذ مقاربة اكثر تدقيقا. إذ عليها استغلال التنافس الطبيعي وسوء التفاهمات وسط مختلف الجماعات الارهابية. كما عليها تجنب دفع اطرافها المتنافسة والمتشظية إلى التوحد دون ان تقصد (تلك السياسة) ذلك. وعلى الولايات المتحدة توخي الحذر حين تنظر في تدريب قوات الامن في غرب افريقيا. فبعض الحكومات هناك يمكنها ان تنظر إلى المساعدات التي تقدم لمكافحة الارهاب والاتجار في المخدرات كمقابل مادي ينبغي استغلاله لتعزيز النفوذ والتربح كما كان يحدث كثيرًا بالنسبة إلى العون المادي الذى حصلت عليه سابقا لمحاربة الشيوعية. ان مثل هذا العون بدلا عن أن يكون مؤثرًا في مكافحة الارهاب قد يقوض تطوير المؤسسات والحكم الراشد.

وينبغي على نيجيريا ان تتجاوز الاستخدام القح للقوة الماحقة بتحسين قدراتها على جمع المعلومات الاستخبارية وبناء علاقات مدنية عسكرية صحية. ان ارسال الدبابات إلى الشوارع واعلان حالة الطوارئ كما فعل الرئيس جوناثان قوودلك قبل ايام قليلة قد يرضي الشعب الساخط. ولكن تلك ليست سياسة فعالة لمحاربة الارهاب. على الولايات المتحدة تشجيع الحكومة النيجيرية على معالجة الاوضاع السياسية والاقتصادية والدينية المضطربة التي تضفي بريقا على ايدولوجيا منظمة بوكو حرام. وأخيرًا فان على الحكومة النيجيرية حماية وتمكين القادة الاسلاميين المعتدلين في الشمال الذين وقفوا ضد بوكو حرام حتى وهم يواجهون الاغتيالات. والخلاصة أن الحلول الحقيقية للخطر الذي تمثله بوكو حرام هي حلول محلية.

فاندا فيلباب براون وجيمس فورست
براون زميل بمعهد بروكنجز في واشنطن دي سي وفوريست استاذ مشارك بجامعة ماساشوسيتس
ترجمة قاسم مكي


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م