سوريا : قبل أن تلتهم النار كل شيء!

سوريا : قبل أن تلتهم النار كل شيء!

الاثنين 30 كانون الثاني (يناير) 2012 الساعة 15:03

بقلم : د. فاضل فضة

تتعثر الكلمات يوماً بعد يوم، ويختلج الألم كل سوري أينما كان. كتبنا سابقاً أن سوريا في خطر، وأن غياب العقل وجموح الرغبة قد يؤديان إلى وادٍ سحيق لا قرار له. لأن الاستمرار في نفق الموت سيعمم هذا الموت على الجميع، ولا منتصر في النهاية إلا لمن لا يحب سوريا وشعب سوريا.

لم يعد الكلام مفيداً اليوم، ولم تعد الكلمات التائهة على جبين كل طفل وأم ثكلى أو امرأة أو شيخ جليل، إلا أيقونات للحزن والمعاناة. فقط أصرّت يد الخيانة أن تمارس غيّها في إحلال الدمار بأجمل بقعة ساحرة، منذ أن وجد الإنسان على وجه هذه الأرض.

إنها سوريا، مدرسة التجارب البشرية وحضاراتها القديمة، إنها الأم الحنون التي احتضنت وعلمت وجربت كل شيء مر على هذه الأرض، منذ أن قام الإنسان برسم أول لوحة على جدار، ومنذ أن اخترع الإنسان الأبجدية، ومنذ أن سافر السوري في قواربه ليجوب البحار وينشر من تجربته الإنسانية القليل والكثير.

إنها سوريا التي يغار منها كل من ينقصه نسيمها وجمالها وروعتها وطقسها وطموحها لأن تكون نجمة الشرق الأوسط. إنها سوريا التي يرغب أهل الرمال أن يعيدوها إلى ترابها الأول، ليختالوا فرحاً وزهواً عبر بضعة دولارات اشتروا بها بعض من لا ضمير له، لدمارها لا لإعمارها.

اشتهر السوري بإبائه وعزّة نفسه وسماحته وتواضعه، اشتهر السوري بكبريائه، ورفضه القاطع لأي تدخل خارجي، مهما كان مصدره. واليوم يخون سوريا أبناؤها في زواريب العتمة المظلمة، بحثاً عن من يقوم بتدمير بنية الدولة السورية.

أنا لا يهمني النظام أو الحاكم، أنا لا يهمني من سيكون على رأس وزارة، أو رئيساً للدولة؛ أنا سوري وأهتم بالإنسان السوري وعيشه وكرامته وحقه في الحفاظ على ما بنت يداه خلال عقود وعقود زمنية طويلة.

من يرغب بالسلطة اليوم ويغالي في مدّ يده لمن يخرب البنى والوطن، اغترب على الثقافة السورية وخانها. مدّ يده لأي مغامر من أي مكان، يرغب في حرث الأخضر واليابس، ويمعن القتل بالسوريين، مدنيين وغير مدنيين.

اشتهر السوريون بالتسامح، واللاعنف، والقدرة على الحوار بين الاختلاف، والسماحة في تعايش الموزاييك السوري عبر قرون طويلة.. اشتهر السوريون بطيبتهم وحبهم للحياة، بسيطة أو مركبة، واشتهر السوريون بعقلهم وقدرتهم على محاكاة المسائل، وإيجاد المخارج لها.

ما يحدث اليوم في سوريا صنع في الخارج، لا لبناء سوريا المستقبل، بل لدمار بناها كدولة وكمجتمع، كما حدث في العراق، وليبيا، ولبنان.

إن من يصر على الأسود والأبيض فقط في حل الأزمة السورية اليوم، يصر على دولة مدّمرة لا تملك من ثروات للبناء إلا ما تبقى من عقل راشد بين أهلها. لذا، إن دمار سوريا اليوم، سيعيدها إلى عصر متخلف لا أحد يدري متى تعود به إلى دولة ذات بنيان حقيقي كامل.

لم يعد الإنسان السوري العادي يهتم بمن يحكم أو سيحكم سوريا، لم تعد الجموع المرعوبة مما يحصل من قتل عشوائي كل يوم باسم الحرية والعدالة والديمقراطية. لأن الديمقراطية القادمة على اكتاف الكلاشنكوف والأربي جي ورشاشات عوزي، فيها من رائحة الخيانة والدمار أكثر مما هي ادعاءات أدوات الحرب الجديدة، الجزيرة وأخواتها.

لا يمكن لأحد بعد اليوم أن يطالب بحكم سوريا مطلقاً، ولا يمكن لأي عاقل أن يقبل بدمار الدولة السورية من أجل حكم قادم برائحة البترول الصحراوي والاستعمار الجديد.

إنه تحدٍ جديد، على أبناء سوريا الوطن أن يأخذوا به حفاظاً على بناء الدولة منعاً للفوضى والحرب الأهلية. إنه تحدٍ جديد للحياة في الحفاظ على الحياة لكل أبناء سوريا.

فالسوريون موزاييك بشري رائع، لا يمكن حكمه من قبل جهة أو طائفة أو عرق واحد، هذا الخليط لا يمكن أن يحل مسائله إلا عبر الحوار، وما غير ذلك مهما ادّعى اصحاب العقول والأيديولوجيات، أو المرتزقة الجديد، وبائعو الوطن، فإنه قارب تائه ينشر ظلامه على أشرعة الموت والخراب في كل أنحاء الوطن.

لا تهدموا سوريا، لا تهدموا وتدمّروا الوطن السوري الجميل.. لا تنساقوا بألاعيب الآخر، وتذكّروا العراق، وديمقراطية العراق، والعراق الجديد الذي عاث به كل مخرب خلال السنوات الأخيرة، انظروا البداية في ليبيا، وما سيليها. وهاتان الدولتان تملكان النفط للبناء إذا سمح لهم بالبناء.

أما نحن، السوريين، فماذا نملك لنعيد البناء؟ ما لدينا من نفط وثروات لكي نبني ما نرغب بتدميره؟

اصحوا، من سباتكم ومن جحيم غرائزكم، وحافظوا على بنيانكم، حافظوا على تاريخكم الاجتماعي والإنساني والحضاري والمدني، قبل أن تهب النار وتلتهم الجميع. تنازلوا في أية جهة كنتم، تنازلوا من أجل حوار لا يستخدم به السلاح، بل العقل وخلاصة التجربة التاريخية لسوريا.

لم يعد قبل الظلام القادم برائحة الموت، إلا أمل ضئيل في حوار على طاولة واحدة للاتفاق على ما سيتبقى من حلم جميل اسمه سوريا.

د. فاضل فضة
كاتب وباحث سوري


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م