الثورة والديمقراطية

الثورة والديمقراطية

الاثنين 30 كانون الثاني (يناير) 2012 الساعة 12:08

بقلم د.محمد إسحاق الكنتي

يحتفل الناس، بعضهم، هذه الأيام بمرور سنة إفرنجية على اندلاع « ثورات الربيع العربي »، التي ولد بعضها بسرعة أقرب ما تكون إلى الإجهاض، بينما احتاجت أخرى إلى عمليات قيصرية أخرجت خداجا من رحم أم منهكة لا تزال هي وإياه في غرفة الإنعاش.

قيل لنا إن الثورات قامت ضد الاستبداد، ومن أجل حرية الشعب وكرامته... لكن المفارقة هي أن الأنظمة، التي قامت ضدها ثورات الربيع، جاءت بثورات ضد الاستبداد، ومن أجل حرية الشعب وكرامته! وقيل لنا إن الثورات تستمد شعبيتها من مطالبتها بالديمقراطية، وقد قامت ثورات العسكر ضد نظم ديمقراطية، وكانت حينها أكثر شعبية من ثورات اليوم!

لقد أسقطت الثورات في مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا، والجزائر أنظمة ديمقراطية، تتصارع فيها أحزاب على السلطة، وتسيطر فيها الطبقة البورجوازية على الثروة، ويتمتع الشعب فيها بالحريات العامة، وتنتشر فيه الأمية، والفقر والأمراض... كانت الحكومات الديمقراطية تسمح للقوى الأجنبية بنهب الموارد، في ليبيا والعراق، وبالسيطرة على الاقتصاد في مصر وسوريا. وسمحت الأنظمة الديمقراطية للقوى الامبريالية باحتلال الأرض عن طريق إقامة قواعد أجنبية، وتوجيه القرار السياسي لتلك الأنظمة الديمقراطية لصالح القوى الاستعمارية.

لم يكن المواطن، رغم انتشار الحريات العامة، وتناوب الأحزاب على السلطة، وكثرة النقابات العمالية، يحصل على حقوقه، أو يشعر بالكرامة لأن قواعد الأجنبي تحتل أرضه، وطبقة قليلة من أبناء جلدته تلهب ظهره بالسياط، وتستأثر دونه بخيرات أرضه...

جاء العسكر على دباباتهم يحملون شعارات تناقض شعارات الأنظمة الديمقراطية: حرية الوطن والمواطن، العدالة الاجتماعية، كرامة الإنسان، إلغاء الديمقراطية، والحد من الحريات العامة... فالتف الناس حولهم، لأنهم شعروا أنهم ينتمون إليهم. كانوا أبناء فقراء، فأدركوا أن الديمقراطية، والحريات العامة لا تعني شيئا لمن لا يجد قوت يومه، ولا ثمن دوائه، ولا يعرف القراءة والكتابة. أدركوا أن العدالة الاجتماعية هي المطلب الجماهيري الحقيقي فكانت شعبيتهم منقطعة النظير. مكنتهم دباباتهم من إنجاز ثورات بيضاء، لم ترق فيها الدماء، باستثناء الثورة في العراق.

سارع الضباط إلى « تحقيق أهداف الثورة »؛ حرروا الوطن من القواعد الأجنبية في مصر وليبيا، وحققوا المساواة بين أبناء الوطن الواحد، فألغوا الامتيازات والألقاب التي كانت تتمتع بها أقلية من المواطنين، من ذوي الأصول الأجنبية، كما هي الحالة في مصر. وحرروا الاقتصاد من سيطرة القوى الأجنبية، ووكلائها في الداخل عن طريق تأميم النفط في ليبيا والعراق، وتأميم قناة السويس في مصر. وشرعوا في إعادة توزيع الثروة بين المواطنين عن طريق القوانين الاشتراكية في مصر، وسوريا، والعراق، واليمن، والجزائر، وليبيا...

شعر الناس، لأول مرة أنهم مواطنون أحرار، ومتساوون، فلم يأسف أحد على الديمقراطية، والأحزاب، والنقابات، والحريات العامة سوى الذين ارتبطت مصالحهم بها، وهم شرذمة قليلون... لكن الثوار ما لبثوا أن انقلبوا إلى جلادين لعوامل كثيرة يصعب حصرها، لكن نتائجها تمثلت في انقلاب أشكال الحكم، التي أقامها الثوار، إلى دكتاتوريات، وانتهى تقليص الحريات العامة إلى ممارسة ظلم ممنهج عن طريق أجهزة أمنية تعذب وتغتال... استشرى الفساد في جميع مستويات السلطة، وحلت القبيلة، والطائفة، والمذهب محل التنظيم الطليعي، وسيطرت طبقة بورجوازية جديدة، تنمو كالفطر حول الثوار، على الاقتصاد...

عاد الشعب يعاني الفقر، وسوء الخدمات، والإذلال، وأصبح الثوار أنصاف آلهة، وملوكا يورثون سلالاتهم الوطن والمواطن، فكان لابد من قيام ثورات بلا دبابات، لأن الجيش لم يعد مفتوحا لأبناء الفقراء، وإنما أصبح حكرا على القبيلة، والطائفة، والجهة... ثار الناس لأسباب مختلفة؛ الفقراء ثاروا ضد الفساد، والرشوة، والبطالة، وسوء توزيع الثروة.. لم يحرق البوعزيزي نفسه من أجل تنظيم انتخابات حرة ونزيهة في تونس تفوز بها النهضة لتتحالف مع أحزاب علمانية أخرى.. ولم يمت عشرات الشباب في سيدي بوزيد، و قفصة، والقصرين، والكاف، والضواحي الفقيرة في تونس ليصبح طبيب، عاش جل حياته في فرنسا رئيسا لتونس!

لم يمت مئات الفقراء في مصر، ولا عشرات الآلاف في ليبيا، من أجل انتخابات تعطي أغلبية لهذا الحزب أو ذاك، أو تسليم السلطة لمعارض جاء من وراء البحر... مات الفقراء، في ثورات الربيع، وهم وحدهم الذين ماتوا (لم يفقد أي من أعضاء المجلس الانتقالي في ليبيا قريبا من الدرجة الأولى، كذلك الحال بالنسبة للطبقة السياسية في تونس ومصر) من أجل العدالة الاجتماعية، من أجل الحقوق الاقتصادية؛ وظائف للعاطلين، ضمان صحي للمرضى، توزيع للثروة أكثر عدلا، ومعاملة أكثر إنسانية من قبل أجهزة الأمن. أما التعددية الحزبية، وحرية النقابات، والصحف، والمرأة، فليست من أولويات العاجز عن ممارستها.

تلك هي مطالب من كانوا وقود الثورات، فماذا تحقق منها بعد عام على إنجازها؟

قامت ثورات الربيع على الجماجم، فتساقطت فيها الرؤوس، مثل أوراق الشجر في الخريف، وكل ما أنجزته، بعد سنة، اقتصاد منهار، وانفلات أمني، وانقسام اجتماعي يهدد بحروب أهلية... صرح رئيس المجلس الانتقالي في ليبيا، قبل أيام أن البلاد تنزلق نحو حرب أهلية، وحذر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر مرارا من انقسام المجتمع بشكل حاد ينذر بحرب أهلية. كما صرح رئيس الوزراء التونسي، في دافوس أن اقتصاد البلاد منهار، ونسبة النمو المتوقعة أقل من 1.8%، وأن البطالة وصلت حدودها القصوى، وليست مصر أفضل حالا من تونس، وفي ليبيا يمنع نقص السيولة الناجم عن عدم ثقة المواطنين في النظام المصرفي، وعدم سيطرة الحكومة على الأمور، من إعادة بعث النشاط الاقتصادي. سمح هذا الوضع بإعادة سيطرة القوى الخارجية على الاقتصاد عن طريق القروض، ونهب الموارد. فقد تقاسم الفرنسيون، والبريطانيون، والطليان النفط الليبي. وبذلك فإن ثورات الربيع رهنت الاقتصاد، في عامها الأول، في حين حررته ثورات العسكر، قبل أن تنتكس.

يضاف إلى هذا الانجاز عودة الاستعمار إلى المنطقة في شكل قواعد عسكرية أجلتها ثورات العسكر، وهيمنة اقتصادية متمثلة في الرأسمالية المتوحشة، التي حاربتها ثورات العسكر بالقوانين الاشتراكية. كان الناس، قبل ثورات الربيع، يتذمرون من ظلم الشرطي، وهم اليوم يستجدونه ليعود إلى سابق عهده، بعد أن جربوا البلطجية، وانعدام الأمن. كان التونسيون يخافون الحاكم، كما يخاف المصريون ضابط المباحث، فنعم الشعبان بالأمن بسبب ذلك. أما اليوم فقد أصبح الحاكم، وضابط المباحث يحترمان حقوق الإنسان، في شعبين لم يتربيا على احترام القانون، فساد انعدام الأمن.

قامت ثورات الربيع من أجل مطالب اجتماعية واقتصادية، لكن القوى السياسية التي أجادت ركوب موجتها حرفتها عن أهدافها النبيلة، ووظفتها في المجال السياسي لتوصلها إلى السلطة. فاختزلت مطالب الثورة في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، أدت إلى انقسام الطبقة السياسية. فقد رأى الفائزون في الانتخابات أن الثورة حققت أهدافها بإيصالهم إلى السلطة، بينما رأى الخاسرون ضرورة استكمال « أهداف الثورة »، التي لا تكتمل إلا بوصولهم إلى السلطة. انسحب الفائزون من الميدان، واعتصم فيه الخاسرون، والكل يدعي استمداد الشرعية من الفقراء؛ هذا من أصواتهم، وذاك من دمائهم.

لقد أدركت بعض الأنظمة الرهان السياسي لبعض محركي الثورات، فأجرت إصلاحات شكلية، ونظمت انتخابات تعلم أنها ستفضي إلى تسلم تلك القوى للحكم، وقد كان. فوئدت الثورة في مهدها، دون أن تحقق أيا من أهدافها الاجتماعية، واختزلت مسافة التغيير في تقبيل المنكب بدل تقبيل اليد!

يعلمنا التاريخ أنه لم تقم ثورة شعبية من أجل مطالب سياسية. ولم تُقِم ثورة، عبر التاريخ نظاما ديمقراطيا يحتكم إلى صناديق الاقتراع. ذلك أن الثورة والديمقراطية نقيضان. تقوم الثورة من أجل مطالب اجتماعية تمس السواد الأعظم من الشعب. وحين تنجح الثورة لا يكون هم الثوار منصبا على شكل نظام الحكم، وإنما ينصب على تحقيق الأهداف الاجتماعية التي قامت الثورة من أجلها. ولتحقيق تلك الأهداف يحتاج المجتمع إلى حد أدنى من الإجماع الذي لا تؤمنه الممارسة الديمقراطية لأنها ممارسة نخبوية، بينما تنتمي الثورة إلى الشعب (= العامة:la plebe) وحين يسلم الشعب ثورته إلى النخبة، كما حدث في ثورات الربيع، يعود المجتمع إلى ما كان عليه قبل الثورة، لأن طبيعة النخبة تمنعها من إنجاز التحول الثوري، لأنه ضار بمصالحها.

أقام قادة الثورة الفرنسية حكما ديكتاتوريا في فرنسا، وكذلك فعل الشيوعيون في الاتحاد السوفييتي، والصين، وكوبا... لأن طبيعة الثورات تقتضي السيطرة على مقاليد الحكم لتنفيذ برنامج اجتماعي، عقائدي، سياسي، لا يمكن تنفيذه إذا تم الاحتكام إلى اللعبة الديمقراطية، التي تقصي الفقراء من هرم السلطة.

أخذا بما تقدم لا يمكننا أن نسمي ما حدث في ربيع 2011، في بعض البلدان العربية، « ثورات » بالمعنى التاريخي للفعل الثوري، إذ لم تنتج تلك الاضطرابات تصورات اجتماعية وثقافية، وسياسية جديدة، ولم تحدث انقلابا جذريا في البنى الاجتماعية، وإنما اكتفت بإبعاد فاعلين سياسيين عن السلطة، وتسليمها لآخرين كانوا يدورون في فلكهم؛ معارضين أحيانا، ومتعاونين أحيانا أخرى. لم يتغير شيء في الثقافة والاقتصاد، وحتى في السياسة. فبعض أعضاء الجمعية التأسيسية في تونس سياسيون تعاونوا مع الحكم السابق على الثورة. ورئيس المجلس الانتقالي في ليبيا عمل وزيرا للعدل في النظام السابق. ورئيس مجلس النواب في مصر كان رئيس كتلة في برلمان النظام السابق، وفي اليمن لم يتغير شيء على الإطلاق، فكيف يمكن الحديث عن ثورة تعيد إنتاج النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تدعي الثورة عليه؟

بقي وجه تشابه مهم بين ثورات العسكر، وثورات الربيع؛ الموقف من الإسلام. كان العسكر في غالبيتهم يساريين، أصحاب ثقافة دينية ضحلة، متأثرين بالمد الثوري الشيوعي، فكان موقفهم من الدين سلبيا، فأقاموا أنظمة علمانية، لكن أيا منهم لم يجرؤ على إعلان علمانية الدولة، وإنما حاولوا خلق اجتهاد يساري في الإسلام، يؤصل مرجعيتهم الاشتراكية، عن طريق أبي ذر، والناس شركاء في ثلاث... على غرار اللاهوت الثوري في أمريكا اللاتينية.. حاولوا توظيف الإسلام ليخدم أغراضهم لعلمهم أن محاربته علنا ستجعلهم يخسرون التأييد الشعبي الذي حصلوا عليه.

واليوم يسير السياسيون، الذين اختطفوا الثورات على نفس الخطى، محاولين تأصيل خيارهم الليبرالي في الإسلام، فنظَّروا لإسلام بروتستانتي، لا تأمر فيه الدولة بمعروف ولا تنهى عن منكر، وإرادة الأمة فيه حاكمة على الشريعة! لكن ثوار الربيع تجاوزوا ثوار العسكر بأشواط حين أعلنوا أن الدولة المدنية (= العلمانية) مطلب إسلامي، والسفور اجتهاد إسلامي..

لقد كان لدى العسكر « بقية أخلاق وشيء من التقوى »...

د.محمد إسحاق الكنتي


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م