حاجة المغرب إلى الشقيقة موريتانيا

حاجة المغرب إلى الشقيقة موريتانيا

الثلاثاء 17 كانون الثاني (يناير) 2012 الساعة 16:30

بقلم محمد سالم الشرقاوي

نتابع كيف استتب الأمر لحكومات إسلامية عربية، بعد موجات الربيع العربي، من دون أن ننتبه لتجربة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، التي اختارت، منذ شهر أبريل من العام 1959، أن يمتزج اسمها وألوانها الوطنية بألوان الإسلام من خلال الدرع الأخضر، الذي يتوسط العلم ويحمل الهلال والنجمة الصفراوين، كهوية مميزة لبلاد « شنقيط » عن باقي بلدان جنوب الصحراء.

وإذا كنا بالكاد نذكر اسم موريتانيا في القمم والمنتديات الإقليمية والجهوية أو في مباريات التميز الأدبي المتلفزة، فإن هذا البلد، المحكوم بتقاليد الشرف والعدل والإخاء، يجسد عمقا استراتيجيا مُهما للأمة الإسلامية في إفريقيا، لا مناص من تعزيزه ودعمه والاستفادة منه لدفع المناورات، التي يمكن أن تكون مصدر إزعاج لبعض دول الجوار العربي.

ولهذا السبب، يهمنا، في المغرب، أن نحافظ على العلاقات مع الشقيقة موريتانيا، بما يؤمن استمرار التنسيق والتعاون، على قدم المساواة، في تدبير الملفات ذات الاهتمام المشترك، وبتجرد تام من النزعات والعقد، التي يمكن أن تترك انطباعا سيئا لدى أصدقائنا وتجلعهم في حرج أمام الأقلية المسكونة بهاجس مراعاة التوازنات في وضع السياسات الخارجية للبلد.

ولا يمكن أن ينشغل المغرب بعلاقاته مع الجوار الأوروبي، من دون أن يلتفت إلى عمقه الإفريقي، الذي يمكن أن يشكل متنفسا لتصريف الخبرات المغربية في مجالات الديمقراطية والتعددية والجهوية وفكرة الإنصاف والمصالحة، فضلا عن تراكمات التجربة المغربية في مجال التنمية البشرية والنهوض بالمناطق الريفية ومكافحة الفقر والأمية.

وقد وضعت البلاد إستراتيجية مندمجة لتطوير علاقاتها مع البلدان الإفريقية في إطار الشراكة جنوب – جنوب، تتجاوز تداعيات تجميد المملكة لعضويتها في الاتحاد الإفريقي، الذي شكل حقلا كبيرا للتجارب استغله العقيد الليبي المقتول معمر القذافي للترويج لنظرياته مقابل العطايا التي كان يغدقها على بعض الأنظمة الإفريقية الفاسدة.

ويمكن لحكومة صاحب الجلالة تطوير هذه الشراكة مع بلدان الجوار الإفريقي، في إطار مربع أول، يجري توسيعه جنوبا عبر موريتانيا والسنغال، كبوابتين منفتحتين على القارة الإفريقية، في مقابل ضمان المغرب لمنفذ مستقر لهذه البلدان على أوروبا وبقية بلدان العالم سواء عبر البوابة البحرية المتوسطية أو من خلال المطار الدولي محمد الخامس في الدارالبيضاء.

وبوسع المغرب الاستفادة من هذا العمق الاستراتيجي الذي تمثله الشقيقة موريتانيا، بتأمين التوازن المطلوب في العلاقات البينية المبنية على الندية والاحترام المتبادل من دون الانزعاج من موقف الحياد، الذي يطبع موقف الحكومة الموريتانية في تعاطيها مع ملف الصحراء، كسياسة مقدرة لهذا البلد منذ عقدين من الزمن على الأقل.

وتبرز حاجة المغرب إلى موريتانيا مع توجه أصيل لقادة هذا البلد في تجسيد روح التكامل التي طبعت علاقات البلدين بحكم القرب الجغرافي والتواصل الحسي والروحي بين ساكنة موريتانيا وسكان الجنوب في حوض « أرض البيظان » التي تمتد من جنوب المغرب إلى الجزائر ومالي والسينغال عبر الصحراء الكبرى.

وأمام التحديات الجمة التي يعيشها العالم جراء عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني، الذي تشهد المنطقة المذكورة بعض فصوله، يدرك المهتمون أي إحساس بالذنب يتملك المسؤولين في الجانبين المغربي والموريتاني، عن حجم الفرص التي تضيع أمام إقامة علاقات متوازنة بين الجانبين ترفع من مستوى المبادلات وتزيد من حجم الاستثمارات وتوطد المودة والصلات بين الشعبين الشقيقين.

وفي هذا الصدد، يتعين التأكيد على أن مقاربة المملكة المغربية لعلاقاتها الثنائية مع الجمهورية الإسلامية الموريتانية لا يمكن أن تتأسس فقط على صلات القرابة، التي تجمع بعض القياديين الموريتانيين، في أعلى المستويات، ببعض العائلات والقبائل في المغرب، أو على انتساب بعض المسؤولين لكبريات المعاهد والجامعات المغربية خلال مرحلة الدراسة.

بل يتعين تعزيز دور المؤسسات لإجلاء الغيوم التي يمكن أن تعكر صفو العلاقات وفي طليعتها دعوة اللجنة العليا المشتركة للاجتماع، بعد خمس سنوات من التجميد، لدارسة القضايا العالقة بين البلدين وهي قضايا إجرائية لا تبعث على القلق الذي قد يغذي الخلاف، بقدر ما يطيل من فترة المراوحة، التي كرستها حادثة طرد الصحفي المغربي من العاصمة نواكشوط.

ويمكن للجانب المغربي تحصين المكتسبات التي حققها من علاقاته مع الجارة الجنوبية والعمل على تطويرها، باستثمار سمعة المنتجات المغربية في الأسواق المحلية، وترحيب الموريتانيين بالمهارات المغربية من صناع وحرفيين وهم يتطلعون إلى دور مغربي أكبر لتطوير التجارة البينية وتنشيط الاقتصاد ودعم البنية التحتية وتحسين شبكة الماء الشروب وتعزيز الاستثمارات الثنائية في مجال الاتصالات والمصارف والسياحة.

ويطلب الموريتانيون، وعينهم على منطقة وادي الذهب، الاستفادة من الخبرة المغربية في مجال النهوض بأوضاع المناطق الهامشية، ومنها تلك الربوع التي شهدت طفرة تنموية نوعية في وقت وجيز، تلت انسحاب موريتانيا منها في العام 1979، بفعل المجهود الخاص الذي بذله المغرب لإدماج الإقليم في النسيج الاقتصادي الوطني وتمكين ساكنته من العيش في مستوى أفضل.

وما من شك في أن مساعي القيادة الموريتانية، على عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، للتحكم في المسألة الأمنية الداخلية والحد من التهديدات الإرهابية الخارجية، تضع بلدان المنطقة، ومن بينها المغرب، أمام واجب دعم هذا المجهود وتزويد المنظومة الأمنية الموريتانية بالعتاد والتدريب، لتمكينها من صد الهجمات المتكررة، في مساحات مترامية، لا قبل للقوات الموريتانية بها.

كما أن قوافل المهاجرين غير الشرعيين العابرين للصحراء نحو الشمال، تطرح بدورها تحديا كبيرا أمام بلدان شمال إفريقيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، تتطلب توحيد الجهود لمعالجتها والحد من آثارها على اقتصاديات دول المنطقة، وتشكيل مجموعات ضغط لحمل البلدان الأوروبية على التعاون للقضاء على هذه الظاهرة في معاقلها.

هذه التحديات وغيرها، تقتضي أن يراجع قادة المغرب وموريتانيا بعض الصفحات المشرقة من التاريخ المشترك للبلدين ليقدروا حاجة هذا البلد إلى البلد الآخر، بما يقتضيه ذلك من احترام للتوازنات التي يبحث عنها الطرفان لتعزيز مكانتهما الإقليمية والدولية، في أفق بناء المغرب الكبير، الذي يبقى الفضاء الأمثل للتعاون وللتكامل الاقتصادي.

ونحن نذكر بالخير الأدوار المهمة التي اضطلع بها بعض قادة الحركة الوطنية في موريتانيا، في علاقتهم بالملك الراحل الحسن الثاني، والتي مكنت من الحافظة على طبيعة خاصة للعلاقات بين البلدين وجعلتهما يحافظان على وتيرة معتبرة في التطور، لم تتأثر بالعواصف وبظروف الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

محمد سالم الشرقاوي


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م