ألفين وأثنى عشر .. ملفات عالمية ساخنة في الانتظار

ألفين وأثنى عشر .. ملفات عالمية ساخنة في الانتظار

الخميس 12 كانون الثاني (يناير) 2012 الساعة 21:52

بقلم إميل أمين - كاتب مصري

لعل أولى علامات الاستفهام التي طرحها المراقبون في الساعات الأولى من العام الجديد تتعلق بأحوال العديد من الملفات الدولية التي تمثل جراحا ساخنة، والبعض منها في حقيقة الأمر يكاد أن ينفجر مسببا حرائق وكوارث لا يعلم إلا الله وحده مداها ومنتهاها ومنها ما هو عسكري حربي، ومنها ما هو ثوري لم يحسم، كما أن بها الأزمة المالية التي تهدد الجميع شرقا وغربا وعلى حد سواء .

ينقسم العالم جغرافيا إلى قارات ست، غير أن الواقع الحي المعاش هو أن العالم بالفعل بات قرية كونية وما يجري في أدناه يؤثر ويتأثر بذاك الذي يجري في أقصاه، ولهذا سقطت الحدود الجغرافية، وأضحت خطوطا وهمية في ظل ثورة المعلومات، ولهذا فانه ليس عجيبا أن يصاب العالم كله بانتكاسة مالية من جراء طمع وجشع بنوك أمريكا والقائمين على وول ستريت على سبيل المثال، كما أن رغبة أصحاب الصناعات الثقيلة حول العالم باتت ولا شك عاملا مؤثرا في مستوى تدهور البيئة حول الكرة الأرضية من جوهانسبرج جنوبا إلى استكهولم شمالا .

والشاهد أن الملفات المفتوحة اعرض وأوسع من أن نحيط بها في مقال بعينه، لكنها محاولة لتحسس بعض مواضع العالم في العام الجديد .. هل يمكن للمرء أن يبدأ حديثه عما يجري حول العالم العربي بادئ ذي بدء وفي ضوء التطورات غير المتوقعة التي جرت العالم الماضي ؟

بالقطع لا، وعليه فما هو مستقبل ذاك الذي أطلق عليه الربيع العربي والذي يلامس سقف العام تقريبا هذه الأيام؟
هناك في هذا الشأن وجهتي نظر، الأولى ترى أن عام 2012 هو عام حصاد الثورات العربية التي أعادت النهضة الثورية إلى الصفوف الأمامية، وان هذا العالم يحمل خيرا كثيرا للشعوب الثائرة وان صعود التيارات الإسلامية إلى صفوف الحكم في عدد من الدول العربية هو نصر للإسلام والمسلمين في مواجهة صفوف الليبراليين والعلمانيين، وان التيارات الدينية سوف تعزز دور المقاومة المسلحة لا سيما الفلسطينية، وان الأمر برمته بداية لتحرير المقدسات .
فيما ترى وجهة النظر الأخرى أن الأمر أوسع من المكاسب اللحظية وان هناك مخاوف حقيقية من أن ينتهي هذا الربيع في 2012 لا سيما وانه تسبب بالفعل في تفجر عصبيات اتخذت أشكالا مختلفة عرقيا وطائفية ودينية وجهوية، كانت نائمة أو مكبوتة طوال العقود الماضية .

عطفا على ذلك فان الخراب الاقتصادي الذي حل بدول الربيع العربي، لا سيما مصر يجعل المرء يتساءل إلى متى سوف تستمر هذه الأوضاع المتدهورة اقتصاديا والتي معها سوف يكفر الكثيرون بفكرة الثورة التي أدت إلى تغيير الأوضاع وتبدل الطباع، وربما كان هذا هو هدف جماعات بعينها تريد ألا تصل ذروة الربيع العربي إلى منتهاها .

والثابت أن تجربتي تونس ومصر اللتين أكدتا أننا أمام شتاء إسلامي وان اختلف المشهد بينهما يلقي بتبعات واستحقاقات مثيرة وخطيرة حول المدى الذي تتسق أو ستتسق فيه العلاقة بين الديمقراطية والإسلام، وهذه قضية جدلية بدورها لم تحسم حتى الساعة، أما في سوريا فالصراع واضح انه أطول وأعمق ويرتبط جذريا بالمتغيرات الإقليمية والدولية بأكثر مما يجري داخل سوريا، في حين يبقى اليمن غير سعيد حتى إشعار آخر ..

على هذا النحو لا يبدو أن العالم الجديد سيحمل استقرارا واضحا للأحوال في العالم العربي، والذي سيتأثر ولا شك بإشكالية أخرى هي المواجهة الإيرانية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل .. ماذا عن ذلك ؟
واقع الحال يشير إلى أن إيران ماضية في برنامجها النووي لخدمة أغراضها السلمية، ولتوفير احتياجاتها من الطاقة الكهربائية على نحو خاص، غير أن واشنطن وتل أبيب تريان أن الأمر مناورة والتفاف وان الهدف الحقيقي من وراء ذلك البرنامج هو حصول طهران على سلاح نووي .

في هذه الأجواء بدا مؤخرا أن الأمر اخذ في التصاعد والسخونة بسبب الحديث عن مضيق هرمز، وفي واشنطن رأينا الرئيس الأمريكي بدوره يضع الأمر في الميزان وكأنه تحد شخصي الأمر الذي جعل من إحدى الصحف الأمريكية الكبرى «الواشنطن بوست» تكتب على لسان احد دعاة اليمين المتطرف «دانيال بايبس» المعروف بعداوته التقليدية للعرب والمسلمين قائلة «أن طهران هي الورقة الحاسمة لإعادة انتخاب اوباما».

والمعروف أن كل رئيس أمريكي يعرف أن مكانته بين ساسة بلاده وفي تاريخها لا تكتمل إلا بان تكون له حربه الخاصة يصب فيها رجولته ويظهر للشعب الأمريكي انه وفي لعقيدته، وممثل لفحولة هذه العقيدة، وقادر على الاختيار بين النار الأمريكية ودم الآخرين .. فهل سيمضي اوباما في تلك الحرب أم سيغلب صوت العقل ؟
يقول بايبس في مقاله «الآن بعد أن تدنت شعبية اوباما بواقع 4.4% . ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية بعد اقل من سنة تزايدت دوافعه لقصف إيران .

غير أن السؤال الذي يشغلنا نحن ما اذا بالفعل حدث ذلك؟ وكيف له أن يؤثر على سير ومسيرة التعايش المشترك في منطقة الخليج العربي بين قوميتين، العرب والفرس، مسيرة امتدت عبر قرون طويلة، ويمكن أن يمضي التعاون كما هو حاصل بالفعل مع عدد من دول الخليج إلى الأمام دون الحاجة إلى النار والمرار والدمار ولكن أين المفر من المواجهة لا سيما إذا كانت إسرائيل تسعى لهروب من مآزقها الحالية.. ماذا عن ذلك؟

حتما يستطيع المتابع للشأن الإسرائيلي أن يرصد كيف أن إسرائيل باتت تعيش بالفعل مآزق وليس مأزقا واحد من جراء سياساتها الظالمة المتراكمة عبر العقود الستة المنصرمة، ومع الانتفاضات الشعبية ذات الملمح والملمس الديني في المنطقة تجد إسرائيل نفسها مجبرة على إعادة شحن كافة قواها للحرب وللعسكرة مرة جديد، ولهذا رأينا في الأسبوع الماضي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يعلن عن زيادة الموازنة العسكرية بملغ 1.6 مليار شيكل، هذه الأموال اقتطعت كما أعلن من ميزانيات التعليم والصحة والتأمينات وجميعها تصب في خانة إلحاق أذى غير مسبوق بالعدالة الاجتماعية وإتاحة فرص عمل أفضل لشبابها، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من التذمر والتدهور في العلاقة مع جموع الشباب الإسرائيلي الثائر الذي خرج بالفعل عبر الساحات الأشهر الماضية معلنا عن رفضه للسياسات الإسرائيلية الأخيرة .. هل تكون الحرب هي الطريق الوحيد في تل أبيب كما في واشنطن لإسكات الأصوات الرافضة لعسكرة الأجواء؟ وما هي الفاتورة التي ستتحملها إسرائيل ابعد من الموازنات المالية، بمعنى ما تأثير هذا التفكير على سمعة إسرائيل حول العالم، لا سيما في الغرب الأوروبي الذي كان السبب الرئيسي في نشوئها ؟.

لعل الإجابة أعلنت بالفعل في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر الماضي عن التقرير المثير جدا الذي نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية، والمتعلق بأوضاع العرب داخل إسرائيل ويتضمن انتقادات غير مسبوقة لتل أبيب. وقد أوضحت الصحيفة العريقة كيف أن الوثيقة المشار إليها توضح مدى الشقاق بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، ورأت انه مع أن الاتحاد الأوروبي انتقد مرارا ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من التوسع الاستيطاني إلى ممارسات الاحتلال الأخرى، إلا أن انتقادا بهذا الشكل لسياسات إسرائيل تجاه السكان العرب غير مسبوق ويطرق أمرا حساسا».

وإضافة إلى ما تقدم أشارت الاندبندنت إلى أن «الوثيقة تفصل التميز والاضطهاد الذي يتعرض له العرب داخل إسرائيل وتخلص إلى أن الأسرة الدولية مسؤولة عن تقديم ضمانات لعرب».
هل الحرب إذن هي طريق الهروب إلى الإمام النسبة إلى إسرائيل ومحاولة منها لإعادة استجلاب عطف وتعاون أوروبا معها عن طريق إظهار الأزمة الوجودية التي ستعيشها حال استعلت تلك الحرب ؟
تبقى ومن أسف شديد كل السيناريوهات مفتوحة في العام الجديد، ومنها سيناريو الحرب هذا، غير انه بدوره يقود العالم إلى محرقة اقتصادية جديدة في ظل أوضاع متدهورة بالفعل لا يقوى معها احد على وقف تدفق النفط من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأمريكا، ولا تتعرض المصالح الاقتصادية حول العالم لمخاطر غير مسبوقة منها ما يهدد الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال تهديدا جوهريا .. كيف ذلك ؟

في ورقة بحثية ثرية للغاية يكتب عالم الاجتماع الأمريكي الشهير جيمس بتراس عبر موقع جلوبال ريسرش عن انهيار الاتحاد الأوروبي المحتمل فيقول: «سيتفكك الاتحاد الأوروبي المثقل بالأزمات، وستتوجه البنية المفككة إلى سلسلة من الاتفاقات التجارية والاستثمارية الثنائية أو المتعددة الجوانب. ألمانيا، فرنسا، وبلاد الشمال، ستحاول الحد من تبعات الانهيار. بريطانيا وخاصة مدينة لندن المالية، التي بدأت تعيش عزلة كبيرة ستغرق في النمو السلبي، فيما سيبحث مصرفيوها عن فرص جديدة للمضاربة في بلاد الخليج النفطية. أما أوروبا الشرقية والوسطى وخاصة بولندا والتشيك فستقوى علاقاتها مع ألمانيا ، لكنها ستعاني من تبعات التراجع الكبير في الأسواق العالمية. أوروبا الجنوبية أي اليونان، اسبانيا، البرتغال ، وايطاليا ستدخل في مرحلة هبوط عميق مع انهيار الطلب الاستهلاكي نتيجة الديون والهجمات الوحشية على الرواتب والميزات الاجتماعية.

أما البطالة فسوف تزداد بشكل يفجر الصراعات الاجتماعية لتصل مستوى الانتفاضات الشعبية. ما النتيجة الحتمية لذلك؟
الخلاصة هي أن أوروبا المفككة المحبطة والمنهارة ستكون اقل إقبالا على أي مغامرة أمريكية إسرائيلية ضد إيران أو حتى سوريا، أوروبا المثقلة بالأزمات ستعارض المقاربة الصدامية لواشنطن إزاء روسيا والصين .. هل يستقيم الحديث عن شكل العالم مع عدم الإشارة إلى مستقبل الولايات المتحدة في العام الجديد ولو بشكل عابر؟
حتما لا، والحديث عن الإمبراطورية المنفردة في حاجة إلى صفحات بذاتها، لا سيما وان عام 2012 هو عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية بكل ما تعنيه هذه الحملة من استحقاقات وتداعيات وتبعات، بل يخشى المرء القول من مغامرات من اجل رفع أسهم الرئيس الأمريكي باراك اوباما وإعادة انتخابه مرة ثانية .
ومع أن قضية الانتخابات الرئاسية عمود من أعمدة الخيمة الأمريكية كما يقال عربيا، إلا أن المشهد الأمريكي بشقيه السياسي والاقتصادي هو الذي يجب أن نتوقف معه ولو في عجالة غير مخلة .

أما على الصعيد السياسي فالغالب على المشهد فهو أن الولايات المتحدة تنسحب من الساحة العالمية، فبعد اقل من سنتين على إعلان اوباما استراتيجيته الجريئة لمكافحة التمرد من اجل الحاق الهزيمة بحركة طالبان، نرى واشنطن وقد رفعت الراية البيضاء من خلال إصدار الأوامر بالانسحاب لقواتها الإضافية التي نشرت كجزء من خطة زيادة عدد الجنود في السنة الماضية.

ويكفي أن نفكر بالحاجة إلى خصم تريليون دولار من ميزانية البنتاجون خلال العقد المقبل لندرك بسهولة أن الولايات المتحدة بدأت تفقد موقعها النافذ بعد أن كانت ابرز قوة عسكرية عظمى في العالم، وقد يفسر هذا الوضع السبب الذي دفع جمهورية الصين الشعبية فجأة إلى بناء أسطول من حاملات الطائرات لتمكينها من الدفاع عن مصالحها الجديدة في الشرق الأوسط وإفريقيا بعد أن كانت واشنطن تهيمن على هذه المناطق وحدها .

وعلى صعيد العلاقات الأمريكية الروسية التي أخذت في التدهور من جديد، بدا وكأن الروس أدركوا بدورهم اختفاء الدور الأمريكي من الساحة العالمية فعمدت موسكو حديثا إلى نقل حاملة الطائرات «الاميرال كوزينتسوف» وسفينتين مرافقتين لها إلى مرفأ طرطوس السوري، ما يشير إلى استحالة تنفيذ عملية تدخل مشابهة للعملية الليبية بهدف إسقاط النظام السوري المتحالف مع روسيا منذ فترة طويلة .

أما عن الاقتصاد الأمريكي فحدث ولا حرج عما سيعانيه من تبعات عجزه المالي المتضخم، ولن يكون قادرا على إخراج نفسه من الانكماش العالمي في العام الجديد عبر الإنفاق وحده، كما انه لن يتمكن من التعويل على التصدير إلى آسيا ، فيما تخسر الصين والهند وباقي المنطقة الدفع الاقتصادي الاستهلاكي السابق .
الملفات في نهاية الأمر طويلة وعديدة وساخنة كما أسلفنا الأمر الذي يعني أن العام 2012 لن يكون اقل سخونة من سابقه 2011، هذا إذا وضعنا جانبا المفاجآت التي يمكن أن تحدث هنا أو هناك، ومن هذا المنطلق تحتاج الدول والمؤسسات لا سيما في عالمنا العربي وبشكل ملح وعاجل إلى إدارات التعاطي مع الأزمات ووحدات الأبحاث الإستراتيجية الاستشرافية، إذا أردنا أن نصنع المستقبل لا أن ننتظر مفاجآته .

إميل أمين - كاتب مصري


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م