مسارات الإجتهادات المهلكة..!!!

مسارات الإجتهادات المهلكة..!!!

الجمعة 13 كانون الثاني (يناير) 2012 الساعة 16:31

بقلم سيدي محمد ولد ابه

امتلأت المواقع « الألكترونية » وصفحات الصحف المستقلة خلال الأيام الماضية، بالحديث عن الثورة، وإرهاصاتها، ومبررات اندلاعها في موريتانيا.. كتب كثيرون بأقلامهم وأسهبوا في التنظير لـ"ربيع" موريتاني تأخر أكثر من اللازم، وذهب بعضهم إلى إطلاق صافرة البداية، عبر حديثه- المنشور في أكثر من موقع- عن روافع الثورة، ونقاط ضعف النظام وقوته، وضرورة التحالف بين « الشباب، ولحراطين، والإسلاميين.. إلخ ».

لكن الأكثر لفتا للانتباه كان حديث بعض العلماء « المتأخر » عن الثورات، وجواز الخروج، ورد الظلم بالتغيير الذي يناسب حجمه، ومحاولة إقناع البعض بأن الاسلاميين أفضل من الإستبداد.. إلخ

والواقع أن مثل هذا الحديث في هذا التوقيت بالذات يستلزم وضع جملة من علامات الاستفهام الكبيرة جدا حوله، وهنا يجدر التنبيه إلى جملة من الحقائق التي لابد من الوقوف عندها، قبل أن تندلع الفوضى التي يبشر بها هؤلاء...

القياس مع وجود الفارق

من الأخطاء التي وقع فيه دعاة « الثورة » إسقاط الحالة المصرية أو الليبية أو التونسية على موريتانيا، وهو قياس مع وجود الفارق، فطبيعة المجتمع الموريتاني، وتاريخه السياسي، يختلف جذريا عن أشقائه في هذه الدول، وبالتالي فإن مطالب « الثوار » في مصر، والمتمثلة في التناوب، وإطلاق الحريات، وتحرير سجناء الرأي، لا مبرر لها في موريتانيا، وكذلك الحال في تونس، أما الحالة الليبية فتختلف عن الإثنتين لكون العامل الخارجي فيها كان المحرك والفاعل والحاسم في النهاية.

ومن نافلة القول إن هذه المطالب غير مطروحة في موريتانيا بتاتا، والذين يتحدثون عنها إنما يغردون خارج السرب، ولايخلو حديثهم من مزايدات وقفز على الواقع، فخلال السنوات الست الماضية توالى على حكم البلاد أربعة رؤساء، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ، كما أن مجال الحريات العامة مفتوح بدون حدود، والتشريعات التي صدرت أخيرا بخصوص إلغاء عقوبة السجن في جرائم النشر، تكفي للاستدلال على ذلك، كما أنه لايوجد سجين رأي واحد اليوم في البلاد.. ثم إن السلطة الحاكمة الآن جاءت عبر انتخابات اعترف بنتائجها الجميع.

إذن ما الذي يريده دعاة « الثورة » اليوم؟

أذهان مشوشة

بالنسبة للكثير من المتابعين فإن تيار الإخوان المسلمين في موريتانيا- وهو الأكثر تحمسا للثورة الآن- أصيب بتشويش في الذهن بعد « فوز » الإخوان في مصر وتونس والمغرب بأكثر من ثلث مقاعد البرلمان في هذه الدول الثلاث، وهذا ما جعلهم يستعجلون « الثورة » واهمين أن بمقدورهم تحقيق نفس النتائج أو أكثر.

وهنا لا يخلو دعاة هذا الطرح من مجانبة الواقع، فقد استخدم الإسلاميون في موريتانيا كل طاقاتهم إبان الحملة الرئاسية 2007،، واستخرجوا ورقة « الددو » في الأيام الأخيرة من الحملة، حين خصصوا له حصتهم المجانية في وسائل الإعلام الرسمية، ليتولى بنفسه مهمة الدعاية لمرشحهم آنذاك صالح ولد حنن، وقد صدم هؤلاء حين كشفت صناديق الاقتراع أن 7% فقط من الناخبين استجابت لنصيحة الشيخ الفاضل، وأثرت فيها دعاية الإخوان والمرشح أيضا.

والمفارقة هنا أن الخط البياني لنتائج الإخوان أخذ نزولا منذ العام 2006 حين حققوا أعلى نسبة من الأصوات في نيابيات نوفمبر، بدأوا بعدها في التراجع مرورا بنسبة الـ7% الآنفة الذكر، وانتهاء برئاسيات 2009 التي حصد فيها السيد جميل منصور 4%.

ويعرف الإخوان في اجتماعاتهم الخاصة أن هذه النسب وحدها لا يمكن أن تحرك الشارع، ولا أن تجني ثمار « ربيع موريتاني » مازال بعيد المنال، أو على الأقل يحتاج جهودا خارقة لا تتوفر حتى الآن لدى إخوان موريتانيا.

تناقضات مهلكة

تستوقف المراقبين لدعاية الإخوان « الثورية » اليوم مجموعة من التناقضات الغريبة في خطاب هؤلاء، لعل أبرزها صعوبة المواءمة بين الخطاب الثوري الجديد، والذي يدعو لتصحيح مسار البلاد، وبين الثناء المفرط على قيادات عربية تتناقض جذريا مع الطرح الثوري، ناهيك عن مباركة الغزو الصليبي لليبيا، والسكوت المشين على جرائم الناتو وأذياله في بلاد الشهيد الفاتح معمر القذافي.

فخلال الأسبوع الماضي وحده فوجئت الساحة السياسية -وبعض قيادات الإخوان- بكيل المديح والإطراء المبالغ فيه- من طرف شخصية روحية كبيرة في التيار الإخواني- لأمير قطر، والملك المغربي محمد السادس، لدرجة ذكر معها أن من يريد النجاة بنفسه من الأنظمة عليه الإقتداء بالملك المغربي، قبل أن يثني على الإمارة القطرية، التي لا يوجد فيها دستور، ولا برلمان، ولا صحافة مستقلة، ناهيك عن أن الطريقة التي وصل بها الأمير القطري للحكم لا يقرها شرع ولا دين.

***

ولعل التفسير الوحيد لهذا التناقض الصارخ في دعاية الإخوان المسلمين في موريتانيا يعود إلى سبب واحد هو الوصولية السياسية، التي تبرر الوسيلة مهما كانت سبيلا للوصول إلى الهدف، وهي قناعة جديدة بدأت تترسخ في أذهان الإسلاميين في موريتانيا والوطن العربي، وتقتضي -بالضرورة- رمي المبادئ خلف الظهر، والاستفادة من المتغيرات سبيلا للوصول إلى السلطة ولو تحت أجنحة طائرات الناتو، وفوق جماجم آلاف القتلى.

سيدي محمد ولد ابه


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م