«القذافى... موت بطعم الحياة» بقلم حبيب الله ولد أحمد

«القذافى... موت بطعم الحياة» بقلم حبيب الله ولد أحمد

الأحد 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 الساعة 14:27

معمر القذافى رجل تمنينا رحيله عند بداية الأزمة الليبية، وعندما بدا واضحا أن تدمير ليبيا والسطو على ثرواتها هو منبع الثورة (الساركوزية الحمدية الأوبامية) مستقيلا أو منفيا، لا مغدورا ومقتولا مجهزا عليه في مشهد مخجل يندى له الجبين، سيظل بقعة عار تلاحق كل الذين "انتصروا" عليه وهو الهرم الجريح الذي لم تبق منه طائرات "الناتو" سوى بقايا لرجل ينزف ونفس تساقط أنفسا...كنا نود إعفاء الليبيين من صراع دموي تكفل فيه "الناتو" بتدمير بلدهم وتكفل محاربوهم على الأرض بإزهاق الأرواح وإشاعة الفوضى والنهب والفساد...

لسنا فرحين بموت القذافى فليس بمقدورنا أن نفرح بموت أي كان، فتلك ليست من شيم العرب والمسلمين وليست شيمة لمن في قلبه ذرة إنسانية...

لقد قام الثوار ب"إعدام ميت" عندما أجهزوا- بهمجية تناقلتها كل شاشات العالم- على القذافى الجريح النازف الضعيف...وبالغوا في الشماتة والتشفي عندما أقاموا عيدا حقيقيا وهم يجثمون كحشرات الوجع على جسده الذي بدا منهكا ومترهلا به من آثار طعنات الانتقام والحقد أكثر مما بدا عليه من آثار قذائف طائرات "الناتو" التي استقرت فيه قبل غيرها...لقد بلغ التشفي والشماتة ذروتهما بالاحتفالات الكرنفالية (شملت تصوير القتلى قبل وبعد الموت وإهانة الجثث والتمثيل بها لدرجة أن "الثوار" كانوا يتلذذون بالتصوير وكأن الأمر يتعلق بعرس أو يوم عيد لا بإهانة بشر ربما لا يعلمون أن الله كرمه في محكم كتابه وحفظ له كل حقوقه حيا وميتا وبغض النظر عن سوابقه وطبائعه) بموت أبنائه ومقربيه الذين دمرت طائرات الناتو قافلة سياراتهم (على أرض مستوية وليس في حفر ضيقة كما قالت "حمالة الحطب" وهي تبث تقارير "بشرى" فوز الثوار برأس الزعيم")...هم أيضا قتلوا بدم بارد وهم مثخنون بالجراح... "

فجأة ظهرت الثورة الجديدة فى ليبيا وكأنه لا هدف لها ولكرزايها" عبد الجليل" ومالكيها "جبريل" وأبى رغالها "شمام" وابن سلولها" بانى" إلا القتل والتشفي والشماتة والحقد والانتقام...

مات القذافى لتموت معه قيم بأكملها...قتل ب"عورات" ثوار الناتو و"سوءاتهم" التي سقطت عنها آخر أوراق التوت قبل أن يقتل بأسلحة أمريكية فرنسية قطرية إماراتية بريطانية غادرة...

دم معمر القذافى عمد به قاتلوه الطريق الموحش بين بداية "ليبيا الجديدة" ونهاية "ليبيا القديمة"...ملتقى طرق مظلم مظلل بالمجهول...فأي ليبيا قادمة تلك التي تبنى على قيم التوحش والهمجية والدم؟...

أية ثورة هذه التي تطلق صيحات التكبير والتهليل وهي تمثل بالناس وتجهز على الجرحى وتغتصب النساء والأطفال وتقطع الشجر وتحرق الأخضر واليابس؟أين هم وقد تظاهروا بالتدين كذبا وزورا من وصية الخليفة الخالد أبى بكر ابن أبى قحافة لقادة جيوشه..أوصاهم بالعدل والرحمة واحترام الإنسان والشجر والحضارة وهم يفتحون بلدانا بعيدة وغريبة..فهل يعقل أن يمثل رجل عربي مسلم بجثة أخيه ويحول نكبة أسرة بكاملها إلى موسم للفرح؟ القذافى وأبناؤه ومقربوه مهما كانت أخطاؤهم- نعرف أنهم أخطئوا في حق الليبيين على امتداد أربعين عاما من الحكم العائلي ولا مجال لإنكار ذلك أو نسيانه أو تجاوزه- ليبيون عرب مسلمون من لحم ودم فما الذي يضير الثوار لو عالجوهم وحاكموهم بعد العلاج؟...

أن يحاكم القذافى وأولاده ومقربوه على الملأ وتصدر في حقهم أحكام بالإعدام فيقتلون علنا بالرصاص أو بالمشنقة فذلك أقرب لروح الثورة وأولى أن يفهم ويستساغ ما حدث مع القذافى وأولاده ومقربيه إبادة انتقامية وليس عملا ثوريا...إنه عمل بربري يرفضه الدين الحنيف وتأباه قيم الثوار والرجال الحقيقيين...إنه شهادة مكتوبة بالدم على أن ما حدث فى ليبيا ليس ثورة وإنما هو حرابة حقيقية ورقصة موت استعراضية فرنسية أمريكية بريطانية قطرية إماراتية بغيضة ...كان المهم فقط أن يموت القذافى وأن تدمر ليبيا وبأي ثمن ليس إلا...

انتصار الثوار كان وهما...فرايتهم البشعة لا ترتفع إلا على ركام مدن ليبيا ومنشئاتها...فإذا قامت طائرات الناتو بتسوية مدينة بالأرض ارتفعت صيحاتهم المنافقة تهليلا وتسبيحا مرة لله ومرات لهيلارى وكاميرون وحمد وساركوزى وآل نهيان...

فى إحدى حماقاتهم- وما أكثرها- قالوا إنهم لا يستطيعون دخول "سرت" حتى لا يقتلوا بعض المدنيين وفى نفس الوقت كانوا يرقصون ويسبحون بحمد سادتهم لأن طائرات الناتو قتلت نفس المدنيين...إنه ورعهم وتدينهم الكاذب الذي ضحكوا به على عقول بعض السذج هنا وهناك...تورعوا عن قتل المدنيين فى "سرت" وفى "بني وليد" أودعوا عشرين رصاصة قلب أحد شيوخ قبيلة " ورفلة" لأنه لم يمنع نساء "بنى وليد" من محاربة "الثوار" وإلحاق الهزيمة بهم... اليوم رحل القذافى..ذهب إلى الله الذي هو حسيبه...نتمنى له الرحمة فهو كان يصلى وينطق الشهادتين وبذلك يستحق منا دعاء بالرحمة...نعم كان ديكتاتورا...نعم كان غريب الأطوار...نعم كان متقلب المزاج لكن أعداءه ظهروا يوم موته أسوأ منه بكثير...لم يرعوا فيه إلا ولا ذمة ولا حتى حرمة العمر والنسب والقربى والإسلام والإنسانية...لم يرحموا عزيز قوم ذل...أذاقوه وبنيه ومقربيه قهر الرجال وشماتة الأعداء...مات القذافى لكن الثورة التى تحت يافطتها تم الإجهاز عليه أفلست حد الموت دينيا وأخلاقيا وإنسانيا...

الثوار نقموا على القذافى أنه ديكتاتور فمارسوا الديكتاتورية فزعيمهم فى طرابلس "بلحاج" إرهابي معروف يبدو أنه لم يتب توبة نصوحا استحوذ على طرابلس و"خراجها" ومنع صغار" الديكة" من التمتع بالكعكة وقتل "ثوارا" كانوا معه وطرد آخرين ورفض وصاية كبير العصابة عبد الجليل واعتبر طرابلس إمارة خاصة به، قالوا إنه قاتل فمارسوا معه القتل بطريقة الأفلام الأمريكية..قالوا إنه ظالم فظلموا شعبهم لدرجة أنهم قتلوا من لم يقترف ذنبا فأبادوا عشرات الأسر لمجرد أنها رفضت تسليمهم أطفالها ليكونوا وقودا لحربهم القذرة...

قالوا إنه دمر ليبيا فدمروها ولكن هذه المرة بطائرات أعداء الله و الشعوب والحرية، قالوا إنه دجن الناس بأطواره الغريبة فدجنوا هم أيضا الناس بدين جديد غريب الأطوار، يبيح القتل والتمثيل بالجثث والإجهاز على الجرحى والاغتصاب والنهب والتدمير...اليوم يقف الليبيون فى مفترق طرق بين ثورة القذافى التى قتل قائدها بطريقة موغلة في النذالة والعنجهية، وبين ثورة "الناتو" التي لابد أن يصرخ الليبيون ذات يوم وهم يكتشفون حقارة قادتها وولاءهم لهجين قذر بغيض من الغرب الاستعماري والخليج الذيلي والإرهاب القاعدي الأعمى: " رحم الله القذافى ما أعدله"...

لينم القذافى بهدوء...فلقد كان موته بطعم الحياة الحقيقية، فقد وهبه الثوار كما فعل الأمريكيون لصدام حسيين حياة جديدة...سيبقى بعد قتلته كما بقي عمر المختار وصدام حسين وغيرهما من الأبطال الذين وهبهم الله بالمجد والكبرياء والشهادة والشموخ عمرا يفوق أعمار كل الجلادين والقتلة.


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م