«الربيع العربي» يجافي موريتانيا

«الربيع العربي» يجافي موريتانيا

الخميس 22 كانون الأول (ديسمبر) 2011 الساعة 16:19

بقلم المختار السالم — «الخليج»

يصعب تشكيل أي صورة للوضع السياسي في موريتانيا، فغالباً ما تلعب العواصف بتفاصيل هذه الصورة بين الفينة والأخرى، فتحمل أجزاءها المفتتة بعيداً ثم تعيد ترتيبها في شكل مغاير لكل التوقعات وحتى المنطق والمعطيات على الأرض .

ولكن يمكن القول إن الساحة الموريتانية بدأت هذا الأسبوع فصلاً جديداً، عنوانه نهاية مرحلة الاقتصار على حرب البيانات والشعارات ومبادرات الحوار، لتصبح الكلمة للشارع قبل أن يصدر صندوق الاقتراع حكمه .

لنلق نظرة أقرب، ففي الوقت الذي يعود فيه الرئيس محمد ولد عبدالعزيز محملاً ب”تحالف استراتيجي” مع الجارة الشقيقة الجزائر، حيث قوبل في الجزائر باحتفاء لم يخصص من قبل لأي رئيس موريتاني، يجد الرئيس العاصمة نواكشوط وقد تحولت في “مهرجان الغضب الشعبي” إلى عاصمة معارضة، يصول فيها ويجول زعماء المعارضة المتشددة مطالبين الرئيس بالتنحي عن السلطة، والجيش بالابتعاد عن السياسة، ومؤكدين تصميمهم على التغيير، راسمين صورة قاتمة لوضع البلاد .

وعندما يغادر “الصقور” منصة الخطابة، يعلنون في بيان مشترك أن إقبال الجماهير “بشكل لم يسبق له مثيل” على “مهرجان الغضب”، يؤكد أن هذه الجماهير أبت إلا أن تستجيب لنداء الوطن والضمير وأن تعبر بالأفعال لا الأقوال عن رفضها النهائي وغضبها الشديد من التسيير السيئ و”التصرفات الرعناء” لمحمد ولد عبدالعزيز .

وسط نشوة الانتصار بنجاح المهرجان، تعهدت منسقية أحزاب المعارضة للشعب الموريتاني بأن يكون “مهرجان الغضب” بداية ل”مرحلة فاصلة في تاريخ البلد” يكون الشعب الموريتاني فيها هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة .

ووجهت المنسقية شكرها إلى جماهير مدينة نواكشوط على استجابتها الواسعة وحضورها الحاشد في هذا المهرجان، مؤكدة أن تعتيم وسائل الإعلام الحكومية لن يفيد النظام أمام إرادة الشعب التي لا تقهر .

وفيما دخل زعماء المعارضة في مشاورات لوضع برنامج الانتقال إلى الولايات الداخلية وعقد مهرجانات شعبية لشرح خطاب المعارضة، يستعد “زعماء القفص الذهبي” (المعارضة المعتدلة) بدورهم للانتقال إلى شمال وغرب البلاد ضمن الحلقة الأخيرة من مسلسل المهرجانات الشعبية الهادفة إلى الترويج لنتائج الحوار مع النظام .

بينما يعلن بيجل ولد حميد، رئيس فريق المعارضة المحاورة، أن لا علم له بتعديل وزاري تشارك بموجبه المعارضة المعتدلة في الحكومة، مؤكداً أن لقاءاته بالرئيس محمد ولد عبدالعزيز ورئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف اقتصرت على المشاورات بشأن الحوار .

وسط ذلك تتردد أنباء عن تفكير مسؤولين مقربين من النظام في إنشاء حزب سياسي جديد لمواجهة المد الجماهيري للمعارضة، وهذه الأنباء التي لم تتأكد بعد، تكشف مدى “المفاجأة” من الزخم الذي حققه “مهرجان الغضب” من حيث الحضور الشعبي، خاصة أن “التقارير” الأمنية التي تقفت “آثار” مهرجانات الحزب الحاكم في الداخل أشارت إلى “تفاعل جماهيري ضعيف” مع مهرجانات الحزب .

في الجزء الآخر من هذه الصورة يقدم النظام على الوفاء بالمرحلة الأولى من اتفاقه مع المعارضة المعتدلة فيصادق مجلس الوزراء على التعديلات القانونية والدستورية التي تم الاتفاق عليها، وبذلك يصبح الطريق سالكاً إلى “الإجراءات الميدانية” لتطبيق بنود اتفاق الحوار .

على هامش كل ذلك، يستمر الخطاب الموالي مؤكداً أن “خريف الغضب” انقشع عن سياسات الرئيس ولد عبدالعزيز، وفق الكاتب الصحفي الكبير محمد الشيخ ولد سيد محمد، الذي يتساءل قائلاً “لماذا لم يصل خريف الغضب عزيز موريتانيا” بعد أن “دارت الرحى على أنظمة النشيد والعلم، فهوى قليس اليمن، وهرب الهارب من القيروان، وغرق فرعون العصر، ومات المستهزئ المتشبه بملوك أدغال إفريقيا في بلاد ابن منظور؟” .

يعتبر ولد سيد محمد أن “هذا السؤال يلهج به كل من يعشق النقود ويحب الرئاسة في المشهد السياسي الموريتاني خصوصاً بعد مهرجان الغضب الشعبي واتفاق أطراف الحوار” .

ويرى أن الرئيس ولد عبدالعزيز تجنب الثورة بقطع العلاقات مع “إسرائيل”، وتسليح الجيش، وتوفير الأمن بالحرب على القاعدة، والحرب على أكواخ الصفيح مع المشروعات الخدمية للفقراء، ونجاح الحوار السياسي مع المعارضة المعتدلة .

لكن رغم التطمين، لم يخف على الموالاة التأثير الذي تركه “مهرجان الغضب” على الرأي العام، فهذا محمد محمود ولد الأمين، رئيس الحزب الحاكم، يخرج ليقول إن تصريحات زعماء المعارضة “عنف لفظي”، و”غلو سياسي” و”تخبط ممن يخشى حكم صناديق الاقتراع” .

ويصف المعارضة ب”المعارضة العمياء” التي تلقت صعقتين متتاليتين: صعقة نتائج الانتخابات الرئاسية، وصعقة الاتفاق السياسي .

بينما يرى محمد محمود ولد جعفر، الأمين التنفيذي المكلف الشؤون السياسية والتوجيه في “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، في تعليقه على “مهرجان الغضب”، أن المعارضة “عاجزة” وتلجأ إلى التصعيد والمزايدة والتلويح بالنزول إلى الشوارع لاستنساخ واقع بلدان الربيع العربي الذي لا يطابق الواقع الموريتاني، متهماً الإسلاميين بالخصوص بأن لديهم “أجندة خاصة” .

وفي بيان موازٍ، قال الحزب الحاكم “إن المعارضة عادت لخطاب التطرف والغلو”، وإن خطابها كان “وقحاً في مزايداته، وغبياً في إسقاطاته”، و”حمل عودةً

حادة لخطاب متشنجٍ مألوفٍ، نصاً وروحاً، لدى

قياداتِ المخلفين من الأحزاب عن مائدة الحوار الوطني” .

وأكد الحزب أن الفصول السابقة لخطاب المعارضة حاولت عبثاً أن تحجب شمس الحقائق الوطنية بغربال من التلفيقات المأزومة، وهي اليوم تعود ب”الوجه الكئيب ذاته، في محاولة هذه المرة لملء “المقعد الفارغ” لأصحابه”، واصفاً المعارضة بأنها “ظاهرة صوتية لا تغير من الأمر شيئاً” .

وبدا واضحاً أن النقد اللاذع الذي وجهه زعماء المعارضة إلى شخص الرئيس ولد عبدالعزيز أخذ صداه، حيث “الجرعة الزائدة من الهمز واللمز، والسخرية، والسب والتجريح الذي يتجاوز حدود اللياقة، والذي طال شخص الرئيس”، حسب الحزب الحاكم .

ما الذي يمكن فهمه من أجزاء هذه الصورة الضبابية التي تلاعب الرياح الهوجاء أجزاءها في سديم الصحراء السياسية الموريتانية؟

أغلب الظن أن القوى السياسية الموريتانية بكل أطيافها باتت على قناعة “شبه تامة” بأنها “تتحرك في سقف ما دون الربيع”، فحتى فوق منصة “مهرجان الغضب” كانت الخلافات واضحة بشأن عدم الدعوة للثورة، بينما لم يأخذ المراقبون على محمل الجد التصريحات المجتزأة حول خيارات الثورة أو الانقلاب العسكري .

هذه هي الخلاصة الأولية لعودة القوى السياسية الموريتانية للشارع، فليس بحوزة “الصقور” عملياً أي مخطط لثورة شارع، وهم يتجهون إلى “استرجاع” خطابهم السياسي الذي يركز على حياد الجيش، والوضع السيئ للواقع المعيشي، بينما اكتشف الحزب الحاكم أن “كل أموال السياسة ونفوذ الإدارة” و”كتَّاب المقالات الرائعة” لا يمكن بعد اليوم أن يحرموا المعارضة الظهور كقوة معتبرة و”محرجة” وشريكة في المجالس الانتخابية، بينما باتت المعارضة المعتدلة في ما يبدو مقتنعة بقدرها المتمثل في “التحصيل السهل” وهي تجفف عرق السنوات الماضية .

ومعنى هذا الجزء من المشهد السياسي أن الجميع يخوض حملة انتخابية لم تعد كل الأقنعة قادرة على حجبها عن أعين المراقبين والمحللين .

فزعماء المعارضة المتشددة لا يتجهون إلى الداخل من أجل إسقاط رئيس وجنرالات نواكشوط، بل لتذكرة انتخابية عساها تنفع في صناديق الاقتراع التي ستأخذ طريقها قريباً إلى مكاتب الانتخابات .

ولو كان هؤلاء القادة بالفعل يخططون للثورة والعصيان لكانت العاصمة هدفاً لنشاط دائم ومنظم، ولكانت القواعد الشعبية للمعارضة قد تلقت أوامر بذلك، بدل استراتيجية عمل تقوم على مهرجانات مرخصة من الحكومة ولا تستمر لأكثر من ساعات، “ينشد” خلالها الزعماء “معلقاتهم” الخطابية ثم يتجهون إلى مكاتبهم لرصد ردود الأفعال .

كما أن النظام الذي تجنب الثورة، لم يصعد هو الآخر إلى سقوف الإصلاحات التي يتطلبها “الاحتراز”، واكتفى بالمعالجات الآنية، و”الوهمية” أحياناً، سواء تعلق الأمر بالأزمة المطلبية الاجتماعية، أو بمطالب القوى السياسية الموريتانية التي طالما طالبت برئيس يعلو على التناقضات الضيقة، ليصبح موجهاً عاماً ومرجعية للجميع .

إنه أسبوع سياسي يعيد الموريتانيين إلى الأسلوب التقليدي للصراع ويحشر الخلاف حول حجم الجزء الفارغ من الكأس ليس إلا .

المختار السالم — «الخليج»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م