موريتانيا.. الوطن المشروخ!

موريتانيا.. الوطن المشروخ!

الخميس 15 كانون الأول (ديسمبر) 2011 الساعة 09:07

محمود الشيخ - الجزيرة توك - موريتانيا

اكتشفت أخيرا أنني كنت أجري بسرعة كبيرة من أجل أن أصل إلى وطني لدرجة أنني لم أكن أعرف ماذا أفعل سوى الجري للحاق بالوطن، لكنني للأسف وجدته فارغا. لم أعثر فيه على أي شيء، اللهم إلا إذا استثنينا شظايا مثناثرة لنفس رأت النور لأول مرة على هذه الأطلال الخربة، وبقيت وفية لرائحة الوطن المنبعثة من تلك الأطلال.

كنت أعرف أنه من المستحيل علي أن أفكر عندما يكون بالي مضطرباً وغير مستقر؛ وهذا هو ما أحسست به هنا في موريتانيا. أحس بأنني غير مستقر وأن علي أن أذهب إلى جهة مـا من هذا الكون الفسيح لكي أرتب أوراقي وآخذ نصيبا من الاستقرار لكنني لا أعرف إلى أين حتى هذا المساء. جلست الآن أكتب، لأنه ليس لدي شيء آخر لأفعله. أحاول أن ألهو بالكتابة عن واقع وطني والتفكير فيما ستحمله الفراغات الزمنية الشاسعة التي أرقبها في الأفق البعيد، يعدني « الأمل » بأن ما سيأتي من الأيام قد يكون فيه شيء لصالح الوطن والمواطن... رغم أنه ما زال غامضاً حتى هذه الليلة الشتوية من ليالي نواكشوط.
عند مكتب الإحصاء

هذا لا يهم الآن، ما كنت أريد أن أقوله أنني اجتمعت صدفة أول أمس عند مكتب الإحصاء بمقاطعة دار النعيم بخليط من كل أصناف شعب موريتانيا تقريباً، من كل الفئات والأعراق فيهم شباب وفيهم عجزة ومتوسطين، ومنهم البيضان ولحراطين والزنوج بشرائحهم المختلفة. لكن ما أثار انتباهي بشدة هو أن هؤلاء الناس الذين رأيتهم أمامي ليس لديهم من قواسم مشتركة يمكن الحديث عنها سوى أنهم موريتانيون وأنهم بؤساء جميعاً.

وعندما حاولت أن أسأل سيدة زنجية عن ظروف « إحصائها » أجابتني البيضانية بأنها لا تعرف الحسانية... وكان ذلك مناسبة لإثارة الحديث حول اللغات الوطنية وعدم استعداد كل شريحة من شرائح موريتانيا لتعلم لغة الشريحة الأخرى، مما أدى إلى انقطاع التواصل بين شرائح موريتانيا المختلفة، وعندما سألت السيدة البيضانية عن مدا استعدادها لأن تعلم أبناءها اللغة البولارية أو الولفية مثلا. أجابتني بالطبع لا... ونفس الجواب أعتقد أنه سوف يكون لدى السيدة الأخرى لو تمكنت من التواصل معها.

هذا « الشرخ » الاجتماعي بين مواطني موريتانيا لا تلاحظ مدى عمقه وتأثيره في حياة الناس إلا عندما تراقب تصرفات المواطنين تجاه بعضهم عندما تركب في حافلة ركاب، أو تقف في طابور من النوع الذي يحتم على شرائح موريتانيا المختلفة أن تجتمع تحت سقف واحد، مثل الطوابير التي تمتد أمام مكاتب الإحصاء أو أمام حوانيت « عزيز » المدعومة. ساعتها تشعر بأن نصف الموريتانيين يتحولون إلى أجانب في وطنهم، فالبولاري مثلا الذي لا يفهم لغة البيضان، أو البيضاني الذي لا يفهم لغة ابّولار، يصبح تلقائيا يعيش في غربة خانقة لا يستوعبها إلا من تجرع مرارة الغربة في أدغال إفريقيا.

شرائح غير متفقة!

حينما تقع مشاجرة بين المواطنين حول وجوب احترام « الطابور » مثلا، تلاحظ أن الكل يبقى مصراً على مخاطبة الآخر بلغته هو ولا يبالي إن كان مستمعه سيفهمه أم لا؛ لكن المعضلة الأكبر « سناً » والأكبر « حجماً » أيضا هي أن الاختلاف بين شرائح موريتانيا ليس في اللغة فقط، وإنما في اللباس والمعاش والشعور المتبادل بوحدة الوطن والتاريخ، والمصير، وفي أشياء أخرى كثيرة. الاتفاق الوحيد الذي قد تلاحظه بين الناس ربما يكون على عدم احترام الطابور، فالموريتانيون بطبعهم لا يعرفون شيئا اسمه احترام الآخر، بالتالي لا يحترمون أحقية من جاء قبلهم في أن يقف أمامهم في طابور ليقضي حاجته قبلهم، فمن الصعب عليك أن تقنعهم بأن ينظموا أنفسهم داخل طابور موحد، إلا إذا كنت تلبس زي البوليس وتحمل عصاً غليظة. لأن الفوضوية هي التي تطبع حياتهم من الصباح إلى المساء.

لذلك عندما « ينطحك » الواحد منهم برأسه في زحمة الشارع، أو يطأ عليك بكل خشونة يعتبرك أنت المخطئ، لأنه كان عليك أن تفتح عينيك أكثر من اللازم، وعندما توقف سيارتك في الشارع يأتي الرجل المحترم ليبول تحتها بدون أن يستأذك، وأنت المخطئ على كل حال سواء تكلمت أو لم تتكلم، أما مفردات الاعتذار وطلب المسامحة فما زالت لم تدخل بعد لغة شعبنا العزيز.

نحن نكذب على أنفسنا وعلى الآخرين عندما نقول إن هناك تلاقي روحي ووجداني بين أعراق موريتانيا المختلفة... أنا أعتقد هذا التلاقي ليس موجودا إلا في أذهان السياسيين « المتلونين » الذين يلتقون مع بعضهم من أجل أن « يتحاوروا » على الكيفية التي يتقاسمون بها دماء هذا الشعب البائس... لا أكثر.

كان وطني يمثل شيئا كبيراً في داخلي، لكنني منذ أن جئت إلى هنا وهو يصغر في عيني إلى أن تلاشى بالكامل... ولم يعد يعني لي أي شيء، لأنه وطن بائس وتافه ومحطم للآمال وطن بلا مستقبل.

محمود الشيخ - الجزيرة توك - موريتانيا


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م