الاسلاميون على المحك بعد عام من التحولات المفاجئة فى الشرق الاوسط

الاسلاميون على المحك بعد عام من التحولات المفاجئة فى الشرق الاوسط

الأربعاء 14 كانون الأول (ديسمبر) 2011 الساعة 15:55

تقرير سنوى لوكالة الأنباء الرسمية الصينية «شينخوا»

شهدت منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تحولات مفاجئة وغير مسبوقة فى عام 2011 اثر احتجاجات حاشدة مناهضة للحكومات. وعلى الرغم من عدم وضوح ما اذا كانت هذه التحولات شكلية أم جوهرية, إلا انها لا شك وضعت الإسلاميين في اصطفافات جديدة وأمام تحديات غير مسبوقة .

قد يبدو لوهلة أن الحركات الإسلامية هي الفائز الأكبر من الأحداث العربية, لكن قدرتهم على تحويل قواعد اللعبة السياسية لصالحهم تتطلب حقيقة ما هو اكثر من الشعارات الدينية او حتى الحصول على اغلبية فى البرلمان . ويتفق المحللون على ان العمل نحو تحقيق النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعى كأولوية أولى واتخاذ سياسات دبلوماسية مستقلة ومرنة كأساس لحماية المصالح الوطنية يضمن لهم اكثر من اكتساب ثقة الناس.

— صعود عبر صناديق الاقتراع

لا شك ان الانتفاضات الشعبية الكبرى التى اجتاحت المنطقة فتحت امام حركات الاسلام السياسى الفرصة لاقتناص حقوق طالما حرموا منها وشكل وضعهم الشرعي وعملهم بحرية وعلنية دورا حاسما فى انتصاراتهم الانتخابية فى تونس والمغرب ومصر وصعودهم فى ليبيا.

فى تونس ، اثبتت حركة النهضة حضورا قويا على الساحة السياسية بعد فرار زين العابدين بن على يوم 14 فبراير. وبعد 7 اشهر تقريبا من تدشينه فى شهر مارس , حصل حزب النهضة فى اكتوبر الماضى على37 فى المائة فى انتخابات المجلس التأسيسى (89 مقعدا من أصل 217) ، ودخل فى ائتلاف مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة منصف المرزوقي (29 مقعدا) والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات برئاسة مصطفى بن جعفر(20 مقعدا) لانجاز مهمة كتابة الدستور الجديد وتشكيل الحكومة.

وفي المغرب ، اصبح حزب العدالة والتنمية فى 25 نوفمبر الماضي الحزب الاسلامي المعتدل الثاني الذى يصل الى السلطة. وفاز حزب العدالة والتنمية فى انتخابات البرلمان ب26 في المائة (170 مقعدا من أصل395). وكلف الامين العام للحزب عبد الإله بنكيران بتشكيل الحكومة .وكانت هذه المرة الأولى التى يحصل فيها حزب اسلامى على هذا العدد من المقاعد منذ اول انتخابات تشريعية في عام 1963.

وفي مصر ، لم يكن الاسلاميين اقل نجاحا . ففي المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب التى جرت فى 28 نوفمبر حققت الأحزاب الإسلامية 68 في المائة من المقاعد . وحصد حزب الحرية والعدالة ، ذراع جماعة الإخوان المسلمين السياسى 70 مقعدا. وبالرغم من حداثه عهده والانتكاسة التى منى بها فى الجولة الثانية من المرحلة الاولى , حصل حزب النور، الذراع السياسى للسلفيين،على 32 مقعدا.

ويتوقع محللون ان تظل نسبة المرحلة الاولى هى النسبة العامة. وتجرى الانتخابات على ثلاثة مراحل.

وتأسس حزبا الحرية والعدالة الاخوانى والنور السلفى عقب ثورة 25 يناير التى اطاحت بالرئيس حسنى مبارك من السلطة ويتمسك الاخير بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية .

وفي ليبيا, برزت مؤشرات فى نفس الاتجاه بعد نظام معمر القذافي ووعد قادة المجلس الانتقالي بتطبيق الشريعة وجعلها أساسا للدستور وغير الزعيم المؤقت مصطفى عبد الجليل بالفعل عددا من القوانين التي لا تتفق مع الشريعة الإسلامية حيث وافق على تعدد الزوجات ومنع الفوائد البنكية.

وفي سوريا, اتفقت المعارضة السورية مبدئيا فى أكتوبر الماضي في مدينة اسطنبول التركية على تشكيل هيئة تنفيذية لمناهضة الحكومة السورية تضم سبعة اعضاء للمجلس الوطنى بينهم محمد رياض شقفة, المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا.

ولا تحتاج سلطة الإسلاميين فى تركيا ولبنان وغزة والسودان إلى تدعيم بفعل انتفاضات مماثلة.

— ظاهرة طبيعية فى ظل تشرذم النخب

ورغم ان جماعة الإخوان المسلمين في مصر محظورة منذ عام1954، وحركة النهضة التونسية لم تحظ باعتراف رسمي من الدولة منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي , إلا ان فوز الاسلامييين فى صناديق الاقتراع لم يكن مفاجئا او مبعثا للاندهاش .

تقول نائبة مدير كلية اللغة العربية بجامعة بكين وو بينغ بينغ ان « النتائج لم تكن مفاجئة بحكم ارتباطهم بتيارعريض وكبير في المجتمع .. صعودهم الى السلطة ظاهرة طبيعية في دول يحتل المسلمون اكثر من 80 بالمائة من عدد سكانها ».

وبينما اشارت الى تدين الشعوب العربية, قالت وو بنيغ بينغ « لكن لا يمكن ان نغفل حقيقة ان بعض الحركات الاسلامية مثل الاخوان المسلمين ادركت خلال سنوات الحظر والقمع ضرورة تغيير خطابها واتخذت خطوات ايجابية فى هذا الاتجاه مثل رفض عنف القاعدة وقبول القيم والايديولوجيات المختلفة والتعددية السياسية والتنوع الثقافى وحماية حقوق الانسان والاعتراف بنظام المؤسسات الحرة ».

كما اسهم النشاط الخيرى لحركات الاسلام السياسى من بناء المدارس وتقديم الخدمات الطبية للفقراء وانشطة الخدمات العامة وتقديم الاطعمة مجانا فى المناسبات الدينية فى كسب التأييد الشعبى . وارست قدرتها على التنظيم، فى ظل تشرذم النخب الليبرالية ،قاعدة متينة لفوزها في الانتخابات .

ويرى حمد حسن الشرقاوي، المستشار بمركز الخليج للدراسات الاستراتيحية ، الذى يتخذ من لندن مقرا له، « ان » تصويت الناخبين للاحزاب الاسلامية يعكس فقدانهم الامل فى حكوماتهم السابقة ، انهم يريدون التغيير , واذا ثبت ان لديهم (الاسلامييين )القدرة على ادارة البلاد ، سيمنحهم الناخبون فرصة ثانية « .

— تضاربات تصنع جدلا وتؤجج المخاوف

بيد ان هناك مخاوف من ان يتبنى الإسلاميون سياسات تفرض قيودا على الحريات الشخصية وضوابط على الانشطة الترفيهية ولاسيما مع توسع احتمال مشاركتهم في السياسة والتشريع والحياة العامة.

صحيح ، ان قادة الاحزاب الاسلامية الصاعدة سارعت الى تبديد هذه المخاوف . واكد راشد الغنوشى , مؤسس حزب النهضة التونسى ،بأن حزبه لن يفرض طابعا معينا على المجتمع التونسي, ودخل فى ائتلاف مع حزبين ليبراليين . وسار على نفس النهج عبد الإله بنكيران مؤكدا بأن العدالة والتنمية سيحكم من منظور حزب سياسي، وليس دينيًا. وقال نائب حزب الحرية والعدالة عصام العريان أن » اولويات الحزب في المرحلة المقبلة، تتركز على التنمية والإصلاح « .

إلا ان تصريحات متضاربة لقادة ومسؤولين اخرين فى هذه الاحزاب الاسلامية الصاعدة ولا سيما من التيار السلفى غذت من مشاعر القلق داخليا وخارجيا.

يقول ياسر رزق رئيس تحرير صحيفة الاخبار المصرية »هناك مخاوف لا يجب إنكارها من توجهات السلفيين، لاسيما مع تركيز بعض قادتهم علي الانتقاص من حقوق الأقباط ، وفرض الوصاية علي الحريات الشخصية والعامة، فضلا عن مواقفهم المناهضة للسياحة والمعارضة للنظام المصرفي المعمول به في البلاد".

ومن شأن فرض نظام اخلاقى متشدد ان يثير غضبا شديدا ويشكل تحديا لقطاعات اقتصادية مهمة مثل قطاع السياحة الذى يعتبر مصدرا رئيسيا للدخل القومى فى هذه الدول والوظائف ايضا.

وتنتظر الشعوب ان تخطو التيارات الاسلامية الصاعدة خطوات مهمة في مجال الحريات السياسية والحقوق العامة حتى لا تصبح فى مرمى ربيع اخر من اجل احترام المراة والتعددية والحقوق . وإلا « فى حالة عدم تعايشهم مع مطالب المواطنين، وتعديهم على الحريات الشخصية والعامة، فميدان التحرير موجود », كما حذر جودة عبد الخالق وزير التضامن المصرى .

— لا تعارض بين الديمقراطية والاسلام

لكن هناك من يرى ان صعودهم لا يعني بالضرورة تعرض السياسات الديمقراطية والليبرالية المتحررة إلى التهميش في المنطقة.

وأيدت صحيفة الغارديان البريطانية هذا الرأى مبررة ان" اتجاه الإسلام السياسي الذى تجلى بعد الاحداث يمثل نموذجا اعتداليا ويسمح بقدر أكبر من التحرر وفقا لتعاليم الإسلام « . ورجحت ان تتجنب الاحزاب الصاعدة نماذج الإسلام السياسى المتشدد لتجنب الدخول فى خلاف مع الغرب .

وقد بدت تصريحات اخيرة لقادة اسلاميين في تونس والمغرب ومصر ميلا نحو إعادة ترتيب الأولويات لتصبح أكثر براغماتية وواقعية. ولعل التغيير ايضا لوحظ فى موقف السلفيين فى مصر الذين اعتبروا سابقا ان »الديمقراطية كفر والانتخابات بدعة والتظاهر ضد ولي الامر حرام".

ولعل وثيقة الازهر, المؤسسة السنية الاكبر فى العالم الاسلامى ، والتى حظيت باشادة واسعة لدى الوان الطيف الشعبى والسياسى المصرى تمثل النموذج الامثل ، بنظر الحكماء ,لتجنب الصدام بين الاسلاميين وغيرهم . وتؤكد الوثيقة على عدم وجود تعارض بين الديمقراطية والاسلام , وتناشد « باعمال فقه الأولويات فى تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية ».

غير ان فرضية اصطدامهم بالغرب تظل قائمة اذا ما اندفعت هذه الاحزاب فى فترة ما لفتح الملفات الأخلاقية والقضايا الدينية او فى حالة الاستمرار فى تبنى مواقف متشددة تجاه إسرائيل, الحليف الاول للولايات المتحدة فى المنطقة.

ويرى خليل عنانى ، الخبير بشئون الحركات الاسلامية والباحث في مدرسة الشؤون الحكومية والدولية في جامعة دورهام المملكة المتحدة ، ان الشباب العربى الذى قاد الاحتجاجات لن يتسامح مع أي انتهاك للحريات الشخصية وحقوق الإنسان, مقللا من فرص الاسلاميين فى تحويل قواعد اللعبة السياسية لصالحهم , قائلا « الانتخابات لن تغير قواعد اللعبة لصالح الوافدين الجدد وتمكينهم.

واضاف »لا احد من الاحزاب الاسلامية الصاعدة سيكون قادرا على الانفراد بالسلطة الحقيقية الأقل ليس عبر صناديق الاقتراع .. الهياكل السلطوية فى تونس وكذلك في المغرب ومصر لا تزال تعمل والنخبة القديمة ما زالت نابضة بالحياة".

وأظهر الجيش التونسي درجة كبيرة من ضبط النفس من الاستيلاء على السلطة بعد فرار بن على ويرى مراقبون انه لن يسمح بتغييرات جوهرية قد تؤثر على مصالحه. وفي المغرب ، ترى المعارضة ان السيادة ما زالت للملكية وان التعديلات الدستورية الاخيرة لا تمنح البرلمان صلاحيات واسعة . وفي مصر ، يقيد الاعلان الدستورى ،الذى اعتمد فى استفتاء مارس،البرلمان الجديد . ويحتفظ المجلس الاعلى للقوات المسلحة بسلطة حصرية بتعيين واقالة الحكومة.

— تحديات وتطلعات والنموذج التركى

لا يكمن التحدي أمام الإسلاميين فى وصولهم إلى السلطة، بل بقاؤهم فيها بإرادة الشعوب . وهذا سيتوقف على القدرة على تقديم نموذج من السلطة يجمع بين قيمهم وتأييد الرأي العام.

وبين الدولة الدينية والمدنية وجملة من التحديات والاولويات تبقى أسئلة مستقبل الحركة الإسلامية العربية مطروحة بين ثلاثة خيارات ما بين التركى والايرانى وثالث يتوسطهما , بحسب وانغ ليان استاذ معهد العلاقات الدولية التابع لجامعة بكين , موضحا ان « الاحزاب الصاعدة اما ان تنتهج الطريق الاسلامى المعتدل مثل النموذج التركى الذى يقوده حزب العدالة والتنمية لتحقيق الاستقرار الاقتصادى والوحدة السياسية محليا والحصول على الاعتراف بها دوليا , او النموذج الايرانى المناهض لسياسات الغرب ويسعى الى تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية وفقا لقوانينه الدينية , او تتبنى نموذجا سياسيا ثالثا على اساس الشريعة ».

ويتبنى حزب العدالة والتنمية التركى برئاسة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان فكرة الديمقراطية المحافظة للتوفيق بين المتناقضات التى تعيشها تركيا بين « الاسلامية الشرقية والعلمانية الغربية » . وحقق الحزب فوزا ساحقا ثلاث مرات في الانتخابات التركية منذ عام 2002 وحصل على حوالى 50 بالمائة من الاصوات في الانتخاب الاخيرة في شهر يونيو الماضى . ويرجع نجاح الحزب الى قيادته لتركيا لتحقيق الازدهار الاقتصادى والاستقرار السياسى.

وبغض النظر عن النموذج السياسى الذى يختاره الاسلاميون , فإن الطريق الصحيح نحو المستقبل المشرق بأيدى الاحزاب الاسلامية الصاعدة نفسها من خلال قيادة شعوبها لتطوير الاقتصاد وحماية الاستقرار الاجتماعى . قالت وو بنيغ بينغ ان" الاحزاب الاسلامية الصاعدة ينبغى ان تعمل على تحقيق النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعى من جهة وتتخذ سياسات دبلوماسية مستقلة ومرنة من جهة اخرى كاساس لحماية المصالح الوطنية" .

او كما قال الكاتب ابراهيم دعيبس فى مقالة نشرت له فى موقع مجلة الحرية على الانترنت « اليوم هم على المحك والتطبيق هو البرهان والاقتصاد هو العنوان » .

وكالة الأنباء الرسمية الصينية «شينخوا»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة

التعليقات



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م