موريتانيا: رمضان يغير أنماط الحياة ويكسوها بأجواء من التبتل والتعبد

موريتانيا: رمضان يغير أنماط الحياة ويكسوها بأجواء من التبتل والتعبد

الثلاثاء 30 أيار (مايو) 2017 الساعة 10:37

كما هي الحال كل سنة، اقتحم شهر رمضان حياة الموريتانيين ليغير أنماطها وليقلبها رأساً على عقب لتصبح حياة تبتل وتعبد وهدوء كامل في النهار مع نشاط كبير في الليالي.
جاء رمضان هذه السنة والموريتانيون يشدون الأحزمة استعداداً للدخول في معركة الاستفتاء على الدستور تلك المعركة السياسية غير المسبوقة التي جعلت الموريتانيين اليوم يصومون عن كل شيء عدا السياسة وصراعاتها التي لا تنتهي.
وكان أول مظهر لذلك مقاطعة أعضاء مجلس الشيوخ الموريتاني الغرفة التي يهددها الاستفتاء على تعديل الدستور بالإلغاء، ليلة الأحد للإفطار الرسمي الذي ينظمه الرئيس مستهل شهر رمضان من كل عام؛ وفي هذه المقاطعة إشارات واضحة بأن جمر الأزمة بين الرئيس والشيوخ التي سببها رفضهم لتعديلات الدستور، ما يزال متقدًا تحت رماد الهدأة التي تشهدها الساحة حالياً.
وزاد الوضع السياسي تعقداً مستهل شهر الصيام، تكرار الوزير الأول الموريتاني يحيى ولد حدمين لتصريحاته المثيرة التي أكد فيها أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز باق في السلطة بعد انتخابات 2019، رغم أن الدستور ينص على مغادرته في نهاية مأموريته الجارية.
أما الشارع الموريتاني فاهتماماته مركزة على مستهلكات رمضان، وعلى التحلي بمسحة دينية حيث يطلق الرجال اللحى ويواظبون على الصلوات في المساجد، بينما تحول وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مساطر برامجها إلى محاضرات دينية واستضافات لعلماء مفتين ومسلسلات ومسابقات دينية. وعكس ذلك تبتل النساء الموريتانيات في المطابخ لإعداد آخر الوجبات لأزواجهن في هذا الشهر، الذي يقسم الموريتانيون أيامه الثلاثين إلى عشرة أيام تسير سير الخيل هي الأولى وتمر سريعة، وعشرة أيام تسير سير الإبل وتمر متباطئة، وعشرة أيام تسير سير الحمير هي الأخيرة وتمر شديدة البطء كأنها عشرة أعوام.
وتستلهم النساء الموريتانيات إعداد الوجبات مما تعرضه القنوات التلفزيونية ومنهن من تأخذ مقادير الوجبات وطرق إعدادها من اليوتيوب.
وساهمت شبكات التواصل يتقدمها «الوتساب»، في تبادل المعلومات حول الوجبات، حيث تنشط المجموعات الوتسابية في تبادل المقادير والصور عن الوجبات وعن أدوات المطبخ وفوائدها وأسعارها، وهو ما يسهل على الكثيرات منهن مشاوير التسوق في ليالي رمضان.
إدمان الموريتانيين على الشاي الأخضر يجعل الصوم عنه عذاباً على مدمنيه، حيث يؤكد محمد ولد بارك الله «ما يشغلني في رمضان هو الصداع الذي يسببه صومي عن احتساء كاسات الشاي الأخضر الذي هو المشروب الساخن الأهم عندنا».
حول شهر رمضان نهارات العاصمة نواكشوط إلى هدوء تام ومحدودية في حركة السيارات، فالتسوق يقام به ليلا خوفا من لفح الحر، فدرجة الحرارة ناهزت أمس في العاصمة قرابة الـ 40 درجة، أما ليالي رمضان فمليئة بالصخب؛ فالمراهقون دون العشرين يحولون الساحات العمومية إلى ملاعب لكرة القدم، والأسر تتبادل الزيارات بنشاط يستمر إلى قبيل أذان الفجر.
بدت العاصمة نواكشوط أمس وكأنها مدينة أشباح: هنا مطاعم مغلقة وهناك سيارات تجمع القمامة وهنالك شوارع خالية من المارة تعبث بها رياح حارة شمالية حاملة للغبار والأتربة وأكياس البلاستيك الفارغة، ومن فوق الكل شمس صحراوية حارة تجري لمستقر لها بعد يوم طويل.
وعكس النمط المعاشي العادي، يكون نهار رمضان سكونا ولباسا وليل رمضان معاشا، فتكثر المطاعم من وجباتها وتضاعف المخابز كميات خبزها وتطول أمامها طوابير المستبضعين، وتزدحم البقالات والمقاهي بالمشترين والساهرين.
تكون صلاة التراويح النشاط الليلي الكبير الذي يقبل عليه الجميع، وتبادل الزيارات، وطلب المسامحة وصلة الرحم في الشهر الفضيل نشاط آخر هام تقوم به الأسر لتنظيف القلوب من الإحن والأحقاد.
رغم ارتفاع معدل الفقر في موريتانيا (%40)، فالوجبات الرمضانية مكلفة يبذل فيها المال بسخاء، فالأغنياء يبذخون والفقراء يتجاوزون طاقاتهم ويتحملون الديون، «فالمهم تقول أسماء بنت القاسم (36 سنة، ربة أسرة) ان نفرح برمضان ورمضان كريم، كل الديون ستقضى ببركة الشهر العظيم».
لم يكن الموريتانيون قبل عقدين من الزمن حيث كانت حياة البداوة غالبة، يعرفون الوجبات المتنوعة المعروفة اليوم، فقد كانت المستهلكات في رمضان تقتصر على التمر والماء واللبن الممزوج بالماء والسكر والمعروف محليا بمسمى «الزريق»، إضافة لكاسات الشاي الأخضر التي يدمن عليها الجميع.. وكانت الوجبة الرئيسة في رمضان هي وجبة العيش وهي عصيدة تصنع من دقيق الدخن ويخلط عليها الحليب والملح والسكر. أما اليوم فقد تأثرت الموائد الموريتانية بالموائد المغربية وبما تعرضه القنوات التلفزيونية من وجبات وفنون طبخ.
وتتصدر الحريرة المغربية بمذاقها اللذيذ وجبات رمضان في غالبية الموائد الرمضانية على مستوى المدن، ويوفر مصدرو الخضراوات المغاربة للأسواق الموريتانية مستلزمات طبخ الحريرة من خضراوات وتوابل.
هكذا يمر شهر رمضان على موريتانيا التي تتعرض لنفحات هذا الشهر آملة أن يغسل ثلجه الرباني ما علق بها من أدران العراك بين الأغلبية والمعارضة حول مراجعة الدستور التي يبدو أن مخاضها يزداد عسراً يوماً بعد يوم.

المصدر : «القدس العربي»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م