موريتانيا: قلق لاستمرار التوتر على الحدود بين المغاربة والصحراويين

موريتانيا: قلق لاستمرار التوتر على الحدود بين المغاربة والصحراويين

الجمعة 28 نيسان (أبريل) 2017 الساعة 10:53

مع أن موريتانيا هذه الأيام غارقة حتى الودجين في المعركة الدستورية التي تحمل في طياتها انشغالات متعددة، فإن الوضع العسكري والأمني على حدودها مع الصحراء والمملكة المغربية يشهد تحركات مقلقة للغاية، حسبما أكده لـ «القدس العربي»، مصدر عسكري موريتاني مراقب.
ويزداد هذا الموقف توتراً مع استمرار الحرب الكلامية بين الجزائر الراعية الخلفية لجبهة البوليساريو والمملكة المغربية، حول قضية اللاجئين السوريين الخمسين، حيث تتبادل الحكومتان المغربية والجزائرية التهم حول فضيحة طردهم وتشريدهم في منطقة الحدود.
وحسب المصدر الذي فضل التكتم، فإن القوات العسكرية الموريتانية المرابطة في مواقع على الحدود تراقب بقلق حالة الجنود المغاربة والمسلحين الصحراويين الذين يقفون قبالة بعضهم البعض للشهر الثالث في منطقة الكركارات حيث يسود التوتر، والبنادق على المناكب، والأصابع على الزنادات، وعدسات المراقبة تغطي الوجوه، والنظرات الشزراء سيدة الموقف.
ولا يستبعد المصدر «اندلاع مناوشات إذا استمرت الأمور على حالها بين المغاربة والصحراوين، وفي حال ما إذا تعمق التلاسن بين الرباط والجزائر الذي هو حالياً في أعلى مستوياته». واختارت صحيفة «زهرة شنقيط» الموريتانية الآنية المستقلة أمس « تلاسن بين الجزائر والرباط… هل أزفت حرب الرمال الجديدة؟»، عنواناً لأحد تقاريرها عن الموضوع.
وإذا كان المغاربة يعتبرون أن المنطقة التي تفصل جدار الحماية المغربي عن الحدود الموريتانية منطقة عازلة خاضعة للأمم المتحدة، فإن الرئيس الصحراوي إبراهيم غالي، عكس ذلك، يعتبرها أراضي محررة يجب أن تخضع لسيادة الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية، حتى أنه أي الرئيس إبراهيم غالي تفقد بنفسه المنطقة أواخر ديسمبر / كانون الأول الماضي، وهو ما زاد حالة التوتر القائمة لمستويات عالية.
ومع أن المغرب سحب قواته من المنطقة العازلة تفادياً للحرب، فإن تصريحات الرئيس الصحراوي الذي مدت حكومة الجزائر قواته مؤخراً بعشرين سيارة مصفحة روسية الصنع من نوع «في.تي.بي-80»، يدلي بتصريحات غامضة، حيث يؤكد مرة «أنه يفضل طريق الحوار والسلام»، لكن يؤكد في نفس الوقت «أن الخيارات الأخرى مفتوحة»، أي خيار العودة للحرب، وهو خيار ما كان الرئيس الصحراوي ليتجرأ على الحديث عنه من دون دعم وموافقة الجزائريين.
وتشكل هذه التطورات انشغالاً كبيراً لموريتانيا ذات الأراضي الشاسعة المفتوحة شمالا على التوتر بين المغرب والبوليساريو، وشرقا على منطقة الحدود مع مالي حيث ينشط الجهاديون المسلحون ويتحرك المهربون.
ومن الصعوبة بمكان أن يتمكن الجيش الموريتاني، رغم تسليحه وتأهيله الذي تباهي به الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز مرات عدة، من متابعة هاتين الجبهتين في وقت واحد، وبخاصة إذا حصلت مناوشات أو اندلعت حرب بين المغاربة وجبهة البوليساريو والجزائر من ورائها.
ويتبنى عبد العزيز في التعامل مع ملف الصحراء نفس السياسات التي سنّها أسلافه رؤساء موريتانيا، وهي السياسات القائمة على الحياد، ولكن في تعامله مع الملف بعض التذبذب، فقد طرد القائم بأعمال السفارة الجزائرية في نواكشوط عندما اتهم المغرب بتهريب المخدرات، لكنه في نفس الوقت يستقبل الصحراويين بالأحضان.
وقد صوتت موريتانيا مؤخراً لصالح عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، لكنها عارضت، في نفس الوقت، طرد الجمهورية الصحراوية من الاتحاد.
وليس من الغريب في هذا الصدد حصول المنغصات والمناوشات التي حصلت في السابق بين موريتانيا والمغرب، ففي أواخر عام 2015، أثار الجيش الموريتاني غضب المغرب عندما رفع العلم الموريتاني على بلدة «لكويره» الصحراوية الخاضعة للإدارة الموريتانية والواقعة في أقصى المنطقة العازلة بين الصحراء الغربية التي يحكمها المغرب وموريتانيا.
وفي المقابل أحدث حميد شباط أمين عام حزب الاستقلال هزة كبيرة عندما صرح بأن «موريتانيا أرض مغربية»، معيداً بذلك أطروحة خمسينات القرن الماضي التي تقول بـ «المغرب الكبير الممتد من طنجة إلى مدينة سنلويس السنغالية».
ولأسباب كثيرة، يعتبر الموريتانيون أقرب إلى الصحراويين حيث اعترفوا بجمهوريتهم منذ 1979، ومع ذلك نهج حكام موريتانيا المتعاقبون منهج الحياد وهم مضطرون لذلك لأن بلدهم محصور بين طرفي كماشة مغربية وجزائرية.
وتعاني موريتانيا في النزاع الصحراوي من تجاذب كبير، حيث أن قبائل الصحراء لها امتداداها في موريتانيا، كما أن موريتانيا محصورة بين المغرب والجزائر اللتين تتوافران على جيوش أقوى من جيشها الذي يؤمن بصعوبة بالغة مناطق الحدود الممتدة على آلاف الكيلومترات.
وشهدت مدينة الزويرات شمال موريتانيا، للتذكير، في عام 1973، ميلاد جبهة البوليساريو التي أسست لطرد المستعمر من الصحراء الإسبانية، كما كانت تسمّى آنذاك، غير أن الرئيس الموريتاني الأسبق مختار ولد داداه فضّل عام 1975 الانضمام إلى المغرب في المطالبة بالصحراء ظناً منه أن ذلك سيتيح له بشكل مستمر، الحصول على جزء من الصحراء التي كان المغرب فاغراً فاه لها ذلك التاريخ.
وأدت هذه السياسة التي طبقت بعد اتفاقية مدريد عام 1975 حول تخلي إسبانيا عن الصحراء لصالح موريتانيا والمغرب، وتقاسم الإقليم بينهما، لثورة الوطنيين الصحراويين الرافضين للتقاسم والمدعومين بالجزائر، حيث شنّوا حرب عصابات ضروساً أدت لسقوط نظام ولد داده عام 1978.
وبعد ذلك قررت حكومة الرئيس الأسبق المقدم مصطفى ولد محمد السالك الانسحاب من الصحراء وتوقيع اتفاقية سلام مع البوليساريو عام 1979، ثم اعترفت حكومة العقيد ولد هيداله عام 1981 بالجمهورية الصحراوية.
ومع أن حكّام موريتانيا يميلون إلى الطرف الصحراوي والجزائر، إلا أنهم مضطرون لإخفاء ذلك لأن القوات المغربية ترابط على بعد أميال من مدينة نواذيبو عاصمة موريتانيا الاقتصادية.
فهل ستظل الأوضاع على ما هي عليه في منطقة الكركرات؟ أم أن الوضع سينفجر تحت الضغوط؟ … تلك تساؤلات لا يمكن الجواب الجازم عنها، لكن المؤكد أن جميع الخيارات مفتوحة وأن خيار التناوش بل الحرب غير مستبعد في ظل نفاد صبر الصحراويين وحاجة الأنظمة، رغم خطر ذلك، لحروب تشغل الرأي العام هنا وهناك عن المشاكل اليومية المحدقة.
وأكد محمد محفوظ ولد أحمد الخبير في شؤون المنطقة في توضيحات لـ «القدس العربي»: «أن‎ قيادة جبهة بوليساريو الجديدة تدرك مستوى الملل والإحباط الذين تتململ فيهما‎ الجماهير الصحراوية في مخيمات تندوف ومعسكرات الجبهة. وتريد أن «تحرك ساكنا‎» على الأقل‎. وقال: «بما أنها في الواقع لا ترغب في جولة جديدة من الحرب قد لا تكسبها، وليس‎ حليفها الرئيسي (الجزائر) على استعداد لها في الوقت الحالي، فإنه ليس امامها‎ سوى خيارات تكتيكية محدودة، أهمها سياسي‎».
ولكن الوضع السياسي، يضيف الخبير ولد أحمد ، «يتميز بالركود، وانصراف كلي، ‏للرأي‎ العام الدولي وحتى في المنطقة عن هذه المعضلة المتطاولة، الأمر الذي يتطلب‎ حركة تثير الانتباه من جديد، وليس هناك أفضل لذلك من خلق توتر عسكري وتهديد‎ أمني. إلا أن ذلك يتطلب الحذر الشديد، حتى لا يكون فيه انتهاك للهدنة الدولية‎ ولا ذريعة لاندلاع حرب جديدة لا يرغب فيها أي طرف، بغض النظر عن موازين ‏القوة‎».
وهكذا وجد القادة العسكريون في البوليساريو، أنه بدلا من مهاجمة من يصفونه‎ «‎بجيش الاحتلال»، أو التحرش به من جابنهم الجغرافي، يمكنهم استغلال «الشريط‎ الفاصل» بين خط الدفاع العسكري المغربي والحدود الموريتانية، وهو جزء من إقليم‎ الصحراء لحصر المواجهة فيه‎.
وأضاف الخبير:‎ «ومع أن هذا الشريط ممتد على طول الإقليم، فإن منطقته التي تشكل «المعبر» النشط‎ بين المغرب وموريتانيا، ومنها إلى القارة الإفريقية، هي الأفضل للاستعراض،‎ خاصة أنها قريبة من شواطئ المحيط‎.
وهنا تلتقي جبهات سياسية كثيرة وتختلط أوراق حساسة فهناك النزاع العسكري بين‎ المغرب وبوليساريو، وهناك العلاقات بين المغرب وموريتانيا، والعلاقات بين‎ موريتانيا و»الجمهورية الصحراوية» ومحاصرة موقف الحياد الموريتاني‎ «. أما في الجانب المغربي، فالأمر أوسع نطاقا إذ ان المملكة المغربية قادت بنجاح‎ حملة دبلوماسية إِفريقية وعالمية بعيدة المدى، استعادت فيها مقعدها في‎ الاتحاد الإفريقي، وقوّت علاقاتها مع معظم أقطار القارة، ثم توجت ذلك مؤخراً‎ باستعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، التي ظلت أكبر داعم وراعياً للجمهورية‎ الصحراوية بعد الجزائر‎ أما موريتانيا، يقول ولد أحمد، فهي منذ فترة في وضعية غموض شديد في علاقاتها‎ مع المغرب، على المستوى الديبلوماسي حيث ما زالت تمتنع من تعيين سفير لها لدى‎ المغرب، ولكنها في نفس الوقت تؤكد قوة العلاقات مع الرباط‎! أما علاقاتها مع جبهة بوليساريو، فلا تبدو ذات أهمية لها، إلا في نطاق العلاقة‎ مع الجزائر، التي تصعد وتهبط عادة بالعكس مع العلاقة بالمغرب! ولكن العلاقات‎ الوطيدة والتداخل الاجتماعي والجغرافي بين الصحراويين والموريتانيين على‎ الصعيد الشعبي لا يمكن تجاهلها لأي من الطرفين، بل تبدو أحياناً اقوى من‎ مواقفهما السياسية. وهناك استقرار واضح لحسن هذه العلاقة يتجسد في وجود كثير‎
من الموريتانيين بقطعانهم من الماشية ينتجعون داخل الإقليم الصحراوي، وهو أمر‎ طبيعي معروف على مر القرون‎.‎

المصدر : «القدس العربي»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م