الأطفال في موريتانيا.. للتسول رواية أخرى

الأطفال في موريتانيا.. للتسول رواية أخرى

الأربعاء 15 آذار (مارس) 2017 الساعة 12:38

وسط زحام السيارات المصطفة أمام إشارة المرور، يحاول طفل الوصول إلى قطعة نقود ورقية أطاح بها الهواء تحت العجلات، الكل يتابع الموقف، أصوات الـ « كلاكسات » ترتفع.. وأخيرًا نجح الطفل في التقاطها قبل ثوان من سطوع الضوء الأخضر، وسط تنهيدات المارة المتابعين.

رحلة ربما لا تستجدي عطف الكثيرين، لكنها شاقة لطفل لم يتخط عمره الـ 8 سنوات، والذي دفعت به الظروف الحياتية الشاقة للتسول أمام إشارات المرور.

“آماندو" الطفل الموريتاني المتسول، لم يكن الوحيد في هذه اللقطة، فكان هناك عدد لا بأس به من الأطفال، يجولون حول السيارات، بعضهم يتسول بشكل مباشر، وآخرون يحاولون عن طريق مسح السيارات أو بيع المناديل.

القضية معروفة سلفًًا من حديث الخبراء والمتابعين، لكن للقصة رواية أخرى ترصدها « مصر العربية » يحكيها أبطالها، الأطفال المتسولون.

طفولة ضائعة

في العاصمة نواكشوط، يقف الطفل « آماندو » غير آبه بعدسات الكاميرا ولا حديث المراسل، يقول وهو ينظر إلى الجانب الأخر حيث تقف السيارات انتظارا للمساعدة،إنه لا يعرف مهنة غيرها، ويمارسها من أجل مساعدة والدته وأخواته، لسد قوت يومهم.

وتابع قبل أن يترك الحديث ويهرع تجاه صاحب سيارة توقف على جانب الطريق وأومأ له بالاقتراب لأخذ المساعدة: لن أترك مهنتي، فهي مصدر رزقنا الوحيد.

بعد أخذ المساعدة لم يعد الطفل لإكمال الحديث، وتابع تجوله وسط السيارات التي تكدست جراء إغلاق الإشارة.

بطل آخر من أبطال القصة،لكنه يبدو أنه أكبر سنا من قرينه آماندو، التقط طرف الحديث قائلًا: اسمي محمد عالي، ووالدي طلق أمي منذ 5 سنوات، وتركنا وأخواتي دون معيل، وهو ما جعلني أمارس مهنة التسول لإعانتهم.

ولم يتمن محمد تحسين ظروفه أ انتقاله لعمل آخر، وبسؤاله عن أمنياته المستقبلية، أضاف، أن يظل المحسنون في تقديم المساعدة والعون لنا ولباقي الفقراء.

على الجانب الأخر من الطريق وتحديدًا عند ملتقى « كارفور مدريد » يتسابق ثلاثة أطفال للحاق بمساعدات يوزعها أحدهم في سيارته، عند استواقفهم قال واحد منهم: لن أذكر اسمي أو قريتي، لكني بحاجة للمساعدة، أتسول يوميا بعد تركي للدراسة لأسد حاجة أسرتي.

انتشار الظاهرة

تنتشر ظاهرة تسول الأطفال في موريتانيا بشكل كبير، نتيجة الفقر، والتسرب المدرسي، وغياب الحلول الرسمية، وسط تحذيرات من تنامي الظاهرة بشكل أكبر.

ويرى الخبير الاجتماعي الشيخ ولد عابدين أن ظاهرة تسول الأطفال منتشرة بنسب عالية في موريتانيا، لكنها ترتفع أكثر في العاصمة نواكشوط، نتيجة انتشار الأحياء العشوائية التي يسكنها الفقراء،كما أن العاصمة تعتبر أهم وجهة للباحثين عن العمل في البلد.

ويؤكد ولد عابدين في حديث لـ « مصر العربية » أن الكثير من الأسر الموريتانية تعيش على ما يجلبه الأطفال من ممارسة مهنة التسول، مشيرا إلى أن تلك الأسر عادة ما تكون تعاني من تفكك أسري، أو فقر مدقع يدفع بها إلى صرف أبنائها عن مواصلة الدراسة والعمل في مهنة التسول لتوفير رمق العيش.

ويعتبر ولد عابدين أن ظاهرة تسول الأطفال أنتجها المجتمع نتيجة انتشار الفقر والتفكك الأسري، لكن الدولة عاجزة عن احتواء الظاهرة أو تقديم حلول مستقبلية للقضاء عليها، وسط تفاقم الظاهرة وضررها على المجتمع بشكل كبير.

إحصائيات التسول

على الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية دقيقة لظاهرة تسول الأطفال في موريتانيا، إلا أن هناك أرقام صادمة تظهر في بعض الأحيان في المعلومات المتوفرة على شكل دراسات سواء كانت صادرة عن الجهات الرسمية أو عن جهات أخرى مهمة بالموضوع.

وتشير معلومات أو بيانات صادرة عن وزارة بشؤون المرأة والطفولة في موريتانيا إلى أن نسبة تعدد الزوجات لدى الأغلبية العربية لا تتجاوز اثنين ونصف بالمائة، بينما ترتفع النسبة لدى الأقلية الزنجية إلى ما يزيد عن 53 بالمائة، من بينهم 10 بالمائة من الرجال لهم أربع زوجات".

ويشير آخر مسح قامت به الوزارة إلى أن ارتفاع نسبة الطلاق في موريتانيا خلف نسبة كبيرة من الأطفال، الذين يعيشون في صراع وحرمان وضغط، مما دفع الحكومة إلى وضع خطة للتقليل من نسبته، وإنشاء مراكز تأوي ضحايا الطلاق، بسبب إهمال الآباء لهم، أو نزاعهما على الحضانة والنفقة، مما يهدد بانحرافهم وتحولهم إلى مجرمين.

وأكدت مديرة مركز الحماية والدمج الاجتماعي التابع للوزارة المكلفة بشؤون المرأة والطفولة في تصريحات صحفية سابقة أن مركزها قد استقبل في أقل من عام على إنشائه وقبل ثلاث سنوات من الآن 587 طفلا بين أطفال مشردين وآخرين من فاقدي السند العائلي (اللقطاء).

المصدر : « مصر العربية »


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م