الغائبون الحاضرون في ذكرى الاستقلال...!!

الغائبون الحاضرون في ذكرى الاستقلال...!!

الجمعة 2 كانون الأول (ديسمبر) 2011 الساعة 20:51

عبد المجيد ولد ابراهيم

في زحمة الذكريات والخواطر حول هذه الذكرى المجيدة ، وفي عز الحديث عنها وغمرة الاحتفال بها نتذكر شموعا مشرقة أضاءت سماءنا لعقود من الزمن ، وقمما أبدعت في فعل الاستقلال وبقي مكانهاشاغرا اليوم رغم خلودها في الذاكرة الجمعية لكل الموريتانيين ، شخصيات غابت عن الذكرى لكنها حضرت رغم الغياب لتؤكد أن الاستقلال بدونها استقلال بدون نكهة ، تنوعت الشخصيات واختلفت مشاربها لتؤكد أن « المرابط » و"إيقيو « جمعتهما الصداقة في ظل الاستقلال ، ووحدهتما خدمة الوطن ، والشعوربعز وفخر الانتماء إليه .

نتذكر هذه القمم فنبكي حزنا لفراقها ، ونرقص طربا لأننا ننتمي إلى هذا الشعب الذي أنجبها ، نستحضرهم فنموت خجلا لأننا لم نوفهم حقهم ، ولم نستطع أن نكون خير سلف لخير خلف ، لكننا مع ذلك الحزن ، وهذا الخجل نقف إجلالا وإكبارا عند ذكرهم وإن كان ذلك من باب قول البحتري:

أتأسى عن الخطوب وآسى بمحل من آل ساسان درس

أذكرتنيهم الخطوب توالي ولقد تذكر الخطوب وتنسي

نعم تلك الأمور العظام التي جعلت البحتري يقف على أطلال آل ساسان هي نفسها التي جعلتنا نقف اليوم في هذه الذكرى مع هذه الشخصيات الأسطورية التي يذكرنا بها الاستقلال ، ويدعونا إلى تخليد ذكرها الإيمان والوفاء.

شخصيات منحها العدو والصديق الصدارة وماذلك إلا لأنها تستحق ، فتعالوا بنا نأخذ نماذج من هذه الشخصيات التي جمعت بين الحضور والغياب في ذكرى الاستقلال .

الشخصية الأولى هي شخصية الأب المؤسس الرئيس المختار ولد داداه وما أدريك ما المختار ولد داداه ؟

إنه الإنسان الذي أخرج من رحم البداوة دولة عصرية و صنع من موريتانيا بلادا في ذهنه وجعل منها قضية حتى قال عنه أديبها :

وانشاه من لغيار ما كانت منشي

المختار الذي جمع بين التواضع وقوة الشخصية ، فكان متواضعا دون ميوعة ، وقوي الشخصية دون عنجهية ، نسج علاقاته مع الرجال بحسب وطنيتهم والروح التي يتحلون بها في مجال الخدمة العمومية ، فانتزع رضى الجميع واحترام الجميع ، ونال إعجاب العدو والصديق على حد سواء ، المختار الأب ، المختار المسؤولية ، المختار الوطنية ، المختار الدبلوماسية ، المختار الالتزام بالقضية ، كل تلك القيم النبيلة كان يحملها المختار ونستحضرها باستحضاره ، ونتذكرها بحضور ضدها .

أجل عندما نرى المسؤول المصاب بمرض الانسلاخ الحضاري نتذكر المختار الواثق بنفسه ، المعتز بانتمائه حتى أثار انتباه زوجته الفرنسية بعدم انحنائه للفرنسيين .

في عز الدعوات لإحياء النعرات الجاهلية نتذكر » المختار" حين وقف بقامته الفرعاء ليقول لدعاة الانضمام إلى المغرب ، ودعاة الانحياز إلى كونفدرالية غرب إفريقيا « إن موريتانيا همزة وصل بين العالم العربي والافريقي » .

عندما نسمع عن تطاول الناس في البنيان نذكر" المختار" ببساطته وبعده عن المظاهر السلطوية ، حيث عاش وهو رئيس في منزل بسيط لاتتعدى غرفه ثلاثا ، حينما تزكم أنوفنا رائحة العشائرية والقبلية والزبونية ، نتذكر قصة إعفائك لأحد رفقاء دربك من منصبه لكونه حضر اجتماعا قبليا ، ونتذكر عهدك الذي كانت فيه المكافأة والعقوبة سيدا الترقية والإقالة من المناصب الإدارية .

عندما نسمع عن بطولات الفساد في أوساط الموظفين نتذكر"المختار" وقدسية الممتلكات العمومية في عهده ، والخوف من رقابة الدولة بين صفوف موظفيه ، وتوقيعه الذي يذيل به ملفات المفسدين والذي يقول « يجب عدم إسناد أي مسؤولية ذات قيمة لاحقا لهذا الموظف » ، حينما نشهد التفاخر بين الموظفين في تأثيث المكاتب ، والتفنن في تزيينها نتذكرالمختار وأيامه التي كان أثاث المكاتب والمنازل وسيارات الموظفين من طرازات عادية جدا ولا يتم تجديدها إلا بعد سنوات ، يوم كان التقشف هو سمة نفقات الدولة بدءا بمكتب رئيس الدولة وانتهاء بمكتب رئيس المركز الإداري .

عندما نرى المسؤولين يستغلون سيارات الدولة لأغراضهم الشخصية بل ويتخذونها وسيلة للوقوف على معاهد الحبيبة ، ومطية للوصول إليها ، نتذكر المختار الذي كان الانضباط والصرامة الأخلاقية كلمتا السر في مسيرة الدولة في عهده .

عندما نشاهد بيوت المسؤولين تمتلئ بهدايا المواطنين نتذكر قصتك مع أحمد ولد أعمرولد اعلي حينما استدعيته في مكتبك بعد ما أهدى إليك الرئيس الأفواري أكياسا من العملة الصعبة ، وطلبت منه أن يضع المبلغ المذكور في الخزينة ويعطيك وصلا عنه ، نتذكرك كلما سمعنا قصص الخائنين من الزعماء العرب الذي دفعهم حب السلطة إلى قتل شعوبهم ، وجرها إلى الحروب الأهلية ، وجعلها لغمة سائغة لأصحاب الأطماع الاستعمارية ، فنتذكررفضك لعرض القذافي بدعمك في رحلة العودة إلى القصر بعد العاشرمن يوليو، كما نستحضر رفضك دعم الحسن الثاني العسكري في حرب الصحراء لأنه مشروط بالتدخل في الشؤون الخاصة للدولة ، نتذكر كل ذلك وأكثر حينما تغيب وتحضر معنا في الذكرى الإحدى والخمسين لعيد التأسيس .

الشخصية الثانية : « بداه » الإمام دون شك

الغائب الحاضر الآخر هو الإمام الأكبرالإمام" بداه" ، أجل شيوخ موريتانيا المعاصرين وأوفرهم علما ، وأحسنهم سمتا ، تميز بقوة الحجة ونصاعة البرهان ، وجد فيه كل الموريتانيين مبعث حياة للقلوب ونوراللبصائر ومهذباللنفوس ...كان بداه مثالا للعالم الذي صان علمه ، واستغنى عن مافي أيد الناس وافتقروا إلى مافي يده ، وحينما رضي بعض العلماء بالتدجين والتدجيل ، وقنعوا بالتقاتل على فتات موائد الأمراء ، بقي بداه شامخا شموخ الجبال الراسيات ، وأبى أن يترك الجواد وحيدا في ساحة المعركة .

نتذكر" بداه" حينما نرى تقاتل العلماء على موائد السلاطين ، وتسابقهم لنيل رضاهم ، وتفصيل الفتاوى على مقاس أهواء السلاطين ، نتذكر بداه بصلابة عوده في وجه السلاطين ، ومواقفه الصلبة ضد محاولات الأنظمة السياسية وبعض النخب الثقافية والسياسية في البلد تمرير بعض المراسيم والنظم التي رأى فيها الشيخ خطرا على الهوية ، من ذلك وقوفه ضد دستور 1982المخالف للشريعة الإسلامية، ضد التطبيع .

حينما تختلط علينا مواعظ الفقهاء مع خطابات السياسيين نتذكر بداه ودروسه التي كانت موعد نصح وتذكير بأيام الله ، متوازنا حد الاعتدال ، ورعا حد الابتعاد عن مظان الشبه، ونستحضر رفضه الإفتاء بأن منفذي الكوماندوز 16مارس 1981م محاربون رافضا إصدار فتوى في شأن المحاربين وينقل بعض المقربين من الشيخ حواره الساخن مع المقدم محمد خونه ولد هيداله الذي غضب من موقف الشيخ فرد عليه الشيخ بقوله « لن أفتي بما تريد ون ...العسكر مثل كلاب الفلاة كلما اجتمع منهم ثلاثة أكلوا واحدا منهم ولن أفتي فتوى عامة حتى يأتي كل متغلب فيقتل صاحبه ويقول إنه محارب » .

حينما نرى العلماء يلبسون من هدايا السلطان ويستسيغون طعامه ، ويتقاتلون على الإمامة جريا وراء الراتب الزهيد « 50000 »،بل ويتهمون باختلاس المال العام والتحايل عليه ، نتذكر قول بداه « الحمد لله الذي من علينا بالعيش دون راتب أو مساعدة من الدولة ». نتذكر « بداه » المئذنة الشامخة ، وأداة التوازن والاستقرار التي كنا نلجأ إليها بعد رب العالمين كلما ادلهمت الخطوب .

الشخصية الثالثة : أيقونة الفن الموريتاني « ديم بنت آبه »

ديم شمعة موريتانيا المشرقة ، والصوت الذي ما زال يتردد صداه في كل ربوع الوطن ، ديم صوت البدو الرحل ، وسجل ذكرياتهم السعيدة ، وصوت جيل الاستقلال ونضالاته على كل إشهار يتحدث عن الاستقلال وكل فيلم وثائقي يتحدث عن شنقيط ، من منا لم يسمع ديم أيام كنا أطفالا تكرر « يمورتان اعليك ، امبارك الاستقلال » و"شوف الجيش امن أولاد مورتان الابطال « .

بدأت المبدعة » ديم « رحلتها الفنية في أيام الرفرفة الأولى لعلم الجمهورية الإسلامية الموريتانية حين عزف والدها وغنى أول نشيد لجمهوريتنا ، فكانت أول صوت مورتاني يخالج نفوس إخوتنا العرب والأفارقة وأصدقاءنا في العالم كله ، فنقلت صورة مرهفة ومشرقة عن موريتانيا كما يحلم بها الراعي في غنمه ، والمثقف في مكتبه ، والتاجر في سوقه ، والفلاح في حقله ...كانت »ديم « صوتا يصدح بأصوات آلاف الحالمين بالوطن ,وعشرات العمال الوطنيين الذين ألقت بهم الضرورات إلى المهجر...

نتذكر » ديم « حينما نفكر في شغور مقاعدنا في المحافل الفنية الدولية ، فنشكر لها حضورها ورفعها علم موريتانيا في المحافل الدولية ...

عندما نسمع هذا الفن الهجين الذي اكتسح الساحة الوطنية نتذكر »ديم « التي أثبتت أن الفن الموريتاني أو »هول البيظان « لايقبل الهزيمة ، وأنه قادر على استدرار السماء بمكارمه اللصيقة بالروح الأبية التي تأبى الضيم .

عندما نسمع الأغاني التي تبثها التلفزة الوطنية تخليدا لهذه الذكرى العزيزة نتذكر »ديم " وبضدها تتميز الأشياء ، نستحضر ديم التي غذت تلفزيوننا الوطني رافعة علم موريتانيا خفاقا في محافل باتت مستعصية على دبلوماسيتنا الفنية.

نتذكر كل هؤلاء العظام وغيرهم كثير ، نستحضر هذه النجوم التي كانت تمشي على قدميها ، ثم رحلت لتخلد في الذاكرة الجمعية رغم الغياب .

إنها قمم وطنية تسحق منا الوفاء والبرور ، لا الغدر والعقوق ، ونحن ندعو في هذه الذكرى إلى إدراج سير هؤلاء العظام في مقرراتنا الدراسية حتى يتربى عليها أبناؤنا ، كما ندعو إلى مزيد من العناية بهؤلاء العمالقة ، وبناء مساجد ومتاحف ، ومجمعات وزارية ومؤسسات وطنية ، تحمل أسماء هم ، إنه لعمري أضعف الإيمان ، وأقل مايجب فعله لشموع احترقت لتضي ء كل ربوع موريتانيا.

عبد المجيد ولد ابراهيم


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م