الشاعرة زينب بنت عابدين : المرأة الموريتانية هي من تظلم نفسها في المجال الثقافي

الشاعرة زينب بنت عابدين : المرأة الموريتانية هي من تظلم نفسها في المجال الثقافي

الأربعاء 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 الساعة 14:10

نواكشوط — أحمد ولد سيدي — جريدة «الشبيبة»

فازت الشاعرة زينب بنت عابدين بلقب شاعرة الرسول في العام 2009، ـوهي أولى المسابقات التي تظهر فيها الشاعرة للملأ عبر شاشة التلفاز،بعد أن كانت دور الثقافة والنوادي الثقافية هما منبرها لإفشاء أخر إنتاجاتها الشعرية على مسامع ومرأى الجماهير، كان شعر القضية يهيمن عليها في بداية المسار ثم بعد ذلك فتحت الشاعرة محطة خاصة للمديح النبوي.

مع الشاعرة زينب بنت عابدين نسافر في هذا العدد لتطلعنا على القدرة الإبداعية للشاعرة الموريتانية التي تعاني اليوم من التغييب غير المبرر عن منابر الشعر والإعلام.

*كيف استقبلتِ تصريحات أحد أبرز الشعراء الموريتانيين العام الفائت بأنه لا توجد امرأة شاعرة بشكل حقيقي في تاريخ العرب، هل شعرت بالغضب إزاء تصريحاته كما حدث مع كثيرات؟، ووقوفا عند هذه المسألة كيف تتصورين شعر النساء وأداء الموريتانيات بالخصوص؟

لم أجد في التصريح المذكور ما يزعجني لأنني لا أراه أمرا يستدعي الغضب،وأعتقد أنه حيد عن مقصده بفعل تأويلات مبالغة، أما من استقبله كما ورد دون السعي إلى التأويلات البعيدة فسيجده أمرا عاديا، أو هو على الأصح وجهة نظر أدلى بها صاحبها انطلاقا من قناعة شخصية لديه مفادها أن التجربة الشعرية النسائية لم تبلغ يوما درجة التجربة الشعرية الرجالية، وربما يجد هذا الرأي مناصرين ومؤيدين كثر، لكنني أعتقد أن الشاعر إنما قصد الكم لا الكيف، وهو أمر لا جدال فيه إذ لو قمنا بالمقارنة بين التجربتين من حيث الكم لوجدنا أن الأرقام تتضاءل في الخانة النسائية وتتزايد في نظيرتها الرجالية، غير أنه من حيث الكيف لا أجد كبير فرق بين الشعر النسائي والرجالي سوى ما يبدو من تفاوت وتنوع في بناء الصورة الشعرية التي تختلف في كل مرة دون أن ينقص ذلك من جودتها وحدتها بغض النظر عن نمط الريشة الفنية التي ترسمها وتصبغها بألوان الجدة والجودة، ولئن كان الكم النسائي في المجال الشعري قليلا فإنه « نعاج »ــ كما يقول المثل ــ ويكفي للتدليل على ذلك أن هذه الثلة من الشواعر استطاعت على مر التاريخ أن تسجل أسماءها في سجلات الإبداع إلى جانب الأسماء الرجالية المرموقة من خلال تجربتها الفذة بحيث لايذكر النابغة أو لبيد أو « صناجة العرب » إلا وذكرت الخنساء مثلا، ولست أريد أن أدافع عن المرأة وإنما عن الشعر كفن إبداعي لا يمكن أن يكون حكرا على فئة أو طائفة أو جنس بعينه، والتصريح المذكور لا ينافي هذا التصور ولا يناقضه.

* ما هي قيمة الألقاب الشعرية ـ وأنت حاصلة على لقب شاعرة الرسول في مسابقة مهمة ـ هل تجعل أصحابها أفضل من غيرهم؟

أما عن لقبي فهو وسام خاص يحمل بالنسبة لي من الدلالات الشرفية والمعنوية أكثر من أي شيء آخر، فهو لا يولج إلى دنيا الشهرة بقدر ما يقود إلى مراتب العلو النفسي والاعتزاز الإسلامي من خلال الاشتغال بنصرة الحبيب والتغني بفضائله وأمجاده « وهيهات نحصي للأمين فضائلا »،وأي فضل فوق أن يصبح المرء شاعرا للرسول صلى الله عليه وسلم.

وأماعن الألقاب الشعرية بصفة عامة فهي قد تقود إلى الشهرة لكنها لا تعني أبداــ بالنسبة لي ــ الأفضلية أوالأسبقية في المجال الشعري،فرب ذي لقب مفضول ، ورب غير ذي لقب مغبون، وكم من شاعر فذ طويل الباع في شعره بارع في قوله ماهر في صياغته يقبع خلف أسوار الضياع والنكران من طرف الساحة الإبداعية التي غالبا ما تريح نفسها من أعباء البحث عن التميز، مكتفية باستقبال من خاض غمار الشهرة وتجاوز رحلة النكران والضياع تلك، ولو نقبت في أطراف الريف ورمال الصحراء وضفاف النهر والبحر لوجدت من التجارب الشعرية ما قد يعجز أكثر الشعراء شهرة عن مجاراته أو محاكاته.

*يُطلِق النساء المثقفات في موريتانيا دعوات أحيانا إلى عدم « تنميط صورة المرأة »وإلى محاولة تطوير حضورها في الحياة بما يتناسب مع العصر الحديث لتكون لها مكانتها اللائقة إلى جانب الرجل كما تقولون، هل تعاني المرأة الموريتانية فعلا من ظلم؟ وما هي قدرات هذه المرأة في رأيك؟

في نظري أن مكانة المرأة قد قضي أمرها وثبت بما لا يقبل التشكيك منذ أقرها الإسلام مع فجر الرسالة الخاتمة حينما نادى المشرع بضرورة احترام حقها وحفظ مكانتها ومساواتها مع الرجل الذي وصفه بالشقيق « إنما النساء شقائق الرجال »، وأية محاولة لاعتراض هذا الوضع تعتبر خروجا على الأصل، لكني أعتقد أن المجتمع ليس هو من يظلم المرأة بل هي من تظلم نفسها، ذلك أن أي تقصير أوإعراض منها عن السعي والمثابرة والجد والعطاء يعتبر ظلما منها لنفسها، ولا أعتقد أن المجتمع الموريتاني اليوم ولا حتى أمس يمانع في تميز المرأة أو يقف في وجه الخلق الإبداعي لديها، وإذن فالمرأة الموريتانية هي من تظلم نفسها بالصدود والإعراض تارة والخجل والخوف تارة أخرى، سيما إذا تعلق الأمربالمجال الثقافي والإبداعي فاللاتي تجرأن على الدخول في رحلة العطاء والتميز غالبا ما يلجنها من جوانب سياسية واقتصادية، وقليلات هن اللاتي سلكن درب الإبداع والخلق الشعري، رغم أن القدرة الإبداعية لدى المرأة عالية ورفيعة وغالبا ما يرافقها النجاح أينما يممت مادامت تصحب العزيمة وتؤمن بأهدافها.

وأذكر أنني في إحدى حلقات برنامج « شاعر(ة) الرسول » ــ وهي الحلقة الأولى التي أحضر فيها ــ دخل علينا أحد الفنيين في الاستوديو فلما علم أنني من بين المشاركين في تلك الحلقة التفت إلى زميلي وهو يقول بثقة ويقين « ستغلبان بالتأكيد فالنساء لا يفشلن أبدا في أمر هممن به » ، حينها ضحكنا من التعليق الذي اعتبره البعض مزاحا، لكني قرأت من هذا التعليق قيمة المرأة في المجتمع الموريتاني وإيمانه بقدراتها ومهاراتها التي يعترف لها بها الرجل الذي يعتبره البعض غريما لها قبل أن تدركها هي نفسها.

*هل تترددين أحيانا عن الوقوف على المنابر أمام الرجال وأنت يحكى عنك انتماءك الإسلامي وتنتسبين إلى بيت محافظ؟

هذا الأمر مرتبط بالنسبة لي بنمط وهيئة تلك المنابر من جهة وطبيعة جمهورها من جهة أخرى، فإذا كان هذا المنبر منبرا إبداعيا ذا جمهور ثقافي ناضج فلست أجد غضاضة في أن أعلوه تماما كما أعلو منابر البحث والدرس في المؤسسات التعليمية، وأنا لست بدعا في ذلك، كما أنني أرى أن الرسالة التي يحملها النص الشعري هي رسالة جلى تتطلب الإيصال والإبلاغ اللذين يضمنان تحقق غايتيها المعنوية والجمالية على حد سواء، وفي نظري أن ثمة بعض المنابر قد لا تستحق هذا العناء، وليس الأمر متعلقا عندي بجنس الحضور، وعموما فالشاعر في نظري صاحب رسالة مطالب بأدائها أنى سنحت له الفرصة ومتى توفرت له شروط ذلك سواء كان ذلك عن طريق المنابر أو النشر أو التسجيل...

* ما هي نظرة أهل بيتك ومجتمعك المحافظ إلى حضورك في الساحات الشعرية والمشاركة في الأنشطة العامة هل فيهم من لا يرضى عن هذا، وما هو رأيك أنت في الأمر؟

أنا أعتقد أن المجتمع الموريتاني وإن كان قد مر بفترة توتر مع من يقرضون الشعر وقام بتعزير بعضهم إلا أنه بعد ذلك قام بمصالحة معهم وأصبح قرض الشعر من أمارات الفتوة وعلامات النبوغ، ومن ثم استطاع الشاعر أن ينتزع لنفسه مكانة عظمى في نفوس أفراد هذا المجتمع المسكون بحب القريض المولع بسماعه وقرضه الراكض خلف نصوصه ودواوينه، وليس محيطي ببعيد عن هذا الوضع، بل إن أهل بيتي هم من عشاق القريض وأهل الأدب، وقد لاقيت من طرفهم تشجيعا ودفعا وتحفيزا طيلة تجربتي الشعرية التي نقحتها وغربلتها داخل غربال الإبداع عن طريق آرائهم وتوجيهاتهم المدعمة بحس نقدي رفيع، والتي باتت تقفز بي في كل مرة إلى مستوى شعري أرقى من سابقه.

*أخيرا التحقتِ بالعمل الصحفي الذي يقال إنه آفة على مواهب الشعراء، ألا تخشين أن يؤثر على تجربتك الشعرية خصوصا أن بعض الشعراء انقطعوا عن الشعر نهائيا عندما انشغلوا بالصحافة؟

أنا أرى في العمل الصحفي وجها آخر من أوجه الفن لكنه ــ في نظري ــ فن من النوع الوسط لا يرقى إلى الشعر وإن وجدت فيه صورة وصياغة، ولا أعتقد أن الفنون تنازع بعضها إلا أنها تعيش وضعية مغالبة ومناهضة لا تؤدي إلى الاختفاء والموت بقدر ما تخلق نوعا من التناوب والتنويع.

*ما هي الأوقات المفضلة عندك لكتابة الشعر هل منها أوقات الصباح حيث كان محمود درويش يقول إن وقت الصباح من أحسن الأوقات لكتابة الشعر الجميل؟

الشعر عندي خليق وضعين مختلفين في الحالة العامة، فتارة أكتبه غلبة حيث أجد التفاعيل تتشكل على شفتي وتولد تحت حبري لتستقر على ورقي دون سابق طلب أو استئذان، وتارة أكتبه رغبة حيث أشتاق لقرضه في بعض المرات فأجدني أمسك ريشتي وأدون أبيات الشعر بلهفة واستمتاع، فأنا باختصار أكتبه ويكتبني، ولا ترتبط الحالة الشعرية عندي بظرف زمني أو مكاني فأكتبه بالعشي والإبكار وحتى بالهاجرة، كما أكتبه في لحظات الصفو والشجن...

* يطغى عندك شعر القضية هل أعطيت لشعر الطبيعة والأشعار الحالمة مساحة في منتوجك تعزيزا لدور الجمال في الحياة ؟

الطبيعة بالنسبة لي هي محفز وملهم أكثر مما هي موضوع ألطف بها لغتي الشعرية ثم أنزل عبرها من دنيا الخيال إلى الواقع القائم، وفي نظري أن أمة كأمتنا المكلومة هي بحاجة إلى من يستشعر وضعها ويضمد جراحها ولو بالقول لا من يغرق في عالم الجمال وينسلخ من واقعه لأن ذلك في نظري هو انهزام عاطفي وفشل شعري، وهذا اللون الشعري إنما يطغى عند من لا يدركون حقيقة الرسالة الشعرية ويعتبرونها مجرد تعبير عن وجدان نابض أو إحساس عابر يسلك الشاعر عبره درب الهروب الشعري.وأنا أفخر كأي شاعر آخر بأن تحتل القضية في شعري رتبة عالية وأسعد حين أعيش عبر التعبير الشعري حالة ثورة أو غضب أو حزن أو فرح وأشعر أنني شاركت إخواني هناك بعض ما يعانون من خلال القصيد الذي أعتبره عروة وثقى تربط الشاعر بأمته وواقعه.

*ما هو الحلم الجميل الذي تتمنى زينب بنت عابدين تحقيقه في الحياة وستكون سعيدة به؟

أحيانا أشعر بالعزة والرضا حينما أقسم في لحظة إبداع شعري على وضع معين فيتحقق ذلك الأمر، حينها أدرك أن النبوءة أو الفراسة الشعرية ليست من كذب الشعراء ومغالاتهم التعبيرية وإنما هي حالة من الصدق الشعري سرعان ما تتحول بإذن ربها إلى حقيقة ماثلة يبشر بها الشاعر قبل حدوثها ويترنم بها بعد تحققها، فالشاعر البشير نصير للجمال وللإبداع وللأمة، وحينما تتحقق تلك النصرة الشعرية المتكاملة تكون الرسالة الشعرية قد سلكت سبيل الاكتمال والنضج، ويصبح الشاعر رسولا أمينا ووفيا لقيمه الشعرية الحقة حتى ولو كان ذلك على حساب شهرته لأن الشهرة ليست هدفا عنده، وإنما هدفه أن يسمو برسالته ويوصل خطابه الإبداعي المتضوع بعبير الإنسانية والحرية.

*وما هي أجمل مقطوعات زينب الشعرية في نظرها لتتحفنا بها في آخر هذا الحوار؟

ليس من عادة الشعراء أن يفاضلوا بين نصوصهم لأنها جميعها في نظرهم تمثل إبداعا وخلقا شعريا مميزا، لكن الظرف قد يجعل الشاعر بين الحين والحين يميل إلى هذا النص أو ذاك لا بمفاضلته وإنما لملاءمته.

المــصـــــيــــر..

وتفتأ تحمل الصخرْ

يا بلالُ

ويفتأ سوطُ مكة فوق ظهركْ

من السادات تأتيك الأوامرْ

صبأتَ بلالُ ..

أغصبت الأكابرْ

صبأتَ

فلا قريشٌ ترتضيها

ولا العزى

ولا هبلٌ بغافرْ

وتحت الصخْرِ

تحت السوطِ

قلي بلالُ

إلى متى ستظل صابرْ

وهل تبقى بأرضك .. أم تهاجرْ

وقد دارت عليك بها الدوائرْ

فتفتأ تحمل الصخرْ

صابرا

كالنبي تريدُ إيصال الرسالهْ

أظنكَ

لست تركنُ للأذيهْ

أظنُّ

ألست ذا نفس أبيهْ

أنا أدري بلالُ

أنا أراهنْ

بأنك لا تريد الفوضويهْ

فلا سيف بكفكَ.. لا قنابلْ

وليس بها سوى شمس سنيهْ

تضيئ بها الدروب لعابريها

بكل براءة ..

وبصدق نيهْ

صبأتَ بلالُ

فاغتاظوا .. وثاروا .. وخافوا .. أن تقلدك البقيهْ

أميةُ

يا بلالُ نوى وآلا

برأس مناة والعزى سويهْ

ستفتأ تحملُ الصخرَ يا بلالُ

ولا عونٌ ..

ولا حتى حميهْ

فتبتْ يا بلالُ يدا أميهْ

فتبتْ يا بلالُ يدا أميهْ

ألا فاصبأ بلالُ

ولا تبالي بعتبةَ .. والوليدِ .. ولا أميهْ

ستحرق شمس حقك كل باغٍ

وتشرق يا بلالُ بكل نادي

ستذكركَ : « الملائكُ .. والموالي ..ومكةُ .. والنوادي .. والأعادي »

ستذْكُرُكَ المدينةُ .. والمآذنْ

ورب الصخرِ

رب الســوطِ

كلٌّ يجل جبينك العالي

ينادي...

ويهتفُ بالملاحمِ .. بالتحدي

بصبركَ قاهر الأسيادِ

إني على أفق الثباتِ أرى البشائرْ

بشائر نصرك الغالي تلالي

وتلعن سادة الزمن الغشيمِ

بفقه العزم في سودِ الليالي

تدحرج صخر من ظلموا فأزرى بهم أحدٌ

يجــــازي

لا يبـــالي

ليفتأ للبريء النصــرُ خِـتْـمـا

يسودُ .. يقودُ

يحيى منْ جديدْ

هنيئا يا بلالُ لنا

هنيـئــا

حـيــاةٌ

لا أذيهْ .. لا منيهْ

تعستَ أبا الحكمْ

كمْ كنتَ فظَّا ، أناني الطباعِ كما أمــيـــــه


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م