التصوف في موريتانيا .. الجذور والاتجاهات

التصوف في موريتانيا .. الجذور والاتجاهات

الخميس 1 كانون الأول (ديسمبر) 2011 الساعة 18:21

مصطفى شفيق علام — موقع الصوفية

يمكن النظر إلى مدارس التصوف في موريتانيا باعتبارها حلقة الوصل بين مدارس التصوف في كل من المغرب العربي وغرب أفريقيا، ومن ثَم فإن التصوف الموريتاني يجمع بين سمات وخصائص التصوف بصبغتيه العربية والأفريقية في آن واحد.

وقد لعبت مدارس التصوف في موريتانيا أدوارًا رئيسة في تشكيل بنية الثقافة المجتمعية للشعب الموريتاني، إذ تعد دراسة التصوف في موريتانيا مدخلًا رئيسًا لفهم تركيبة المجتمع الموريتاني وتفاعلاته السياسية والاجتماعية وثقافته السياسية السائدة، والتي يشكل الدين أحد أبنيتها ومكوناتها الأساسية[1].

ويشكل أئمة وشيوخ الزوايا الصوفية مرتكزًا من مرتكزات المجتمع الأولي القبلي والعشائري في موريتانيا[2]؛ حيث اشتغلت الزوايا تقليديًّا بنشر العلوم الدينية عبر ما يسمى بـ « المحضرة » ـ وجمعها « محاضر » ـ والتي كانت بمثابة مؤسسة تعليمية عليا بدوية متنقلة متاحة للجميع تقبل جميع الأعمار، وتقوم على آليات التلقين والحفظ والتلقي عن الشيخ كأداة للتدريس والتعلم بها، ويقوم على كل محضرة شيخ أو زاوي واحد، تعليمًا ورعايةً وكفالةً، للمريدين والمتلقين، الذين يتلقون عن الشيخ فنًّا واحدًا أو عدة فنون من العلم، ومن ثَم فإن نموذج المحاضر الصوفية الموريتانية يعد بمثابة معاهد دينية تقليدية، إذ يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي[3]، وعليه فهي تمثل موقع نفوذ كبير في المجتمع الموريتاني نظرًا لعميق ارتباطه بالدين الإسلامي الحنيف.

وتتعدد مدارس التصوف في موريتانيا، حيث يتجذر بعضها ـ نشأة وانتشارًا ـ في البيئة أو الحاضنة الموريتانية، مثل الطريقة الغظفية، في حين يعد بعضها الآخر امتدادًا لمدارس الجوار الصوفي المغاربي والأفريقي، مثل التيجانية والقادرية[4].

ويمكن القول إن أبرز الطرق التي ترسم خريطة النفوذ الصوفي في موريتانيا طبقًا لمعيار الانتشار هي؛ الطريقة التيجانية، والطريقة القادرية، والطريقة المريدية، والطريقة الشاذلية، والطريقة النقشبندية، والطريقة الصديقية، والطريقة الغظفية.

تيجانية موريتانيا .. الحافظية والحموية :

تمثل الطريقة التيجانية، أحد أبرز وأكثر الطرق الصوفية انتشارًا في غرب أفريقيا، وتعد التيجانية الحافظية والتيجانية الحموية الصبغة الموريتانية للطريقة التيجانية التقليدية بغرب أفريقيا، وأهم رموز التيجانية الحافظية في موريتانيا الشيخ أباه ولد عبد الله، والذي يعد امتدادًا لسلفه الحاج مالك سي الذي توفي في السنغال عام 1922م، وقد كانت نظرته للاستعمار الفرنسي لبلاده نظرة مهادنة اتكالية تزعم العقلانية، حيث تتبنى عدم الصدام مع الاستعمار أو معاداته، والعمل على مجابهته عبر تحصين الجبهة الداخلية للحد من آثاره المجتمعية المدمرة[5].

أما التيجانية الحموية، فإن أبرز رموزها في موريتانيا الشيخ الشريف أحمد حماه الله، وهي على العكس من التيجانية الحافظية، حيث قامت بدور كبير في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وكانت السلطات الفرنسية قد نفت الشيخ حماه الله إلى ساحل العاج ثم وهران بالجزائر ثم فرنسا؛ حيث توفي في موري سون عام 1943م، وينتشر أتباع التيجانية الحموية في عدة دول بغرب أفريقيا أهمها مالي وبوركينا فاسو وكوت دي فوار والسنغال[6].

فرعا القادرية .. البكائية والفاضلية:

وتأتي الطريقة القادرية في المركز الثاني في موريتانيا، بعد الطريقة التيجانية، من حيث النفوذ والانتشار، وهناك فرعان للقادرية في الغرب الأفريقي، ومن ثَم في موريتانيا، هما؛ القادرية البكائية، والقادرية الفاضلية، ويعد الشيخ عبد الكريم المغيلي المتوفى عام 1532م من منطقة توات بالجزائر شيخ الطريقة البكائية بغرب أفريقيا، فهو الذي أوصل الطريقة إلى منطقة حوض نهر السنغال في القرن الخامس عشر الميلادي، ويعد الشيخ سيدي المختار الكنتي هو قطب القادرية البكائية الأبرز في موريتاينا، حيث أخذ جده سيدي أعمر الشيخ الطريقة عن الشيخ المغيلي[7].

ويعد الشيخ سيديا الكبير الذي عاش في منطقة بتلميت بموريتانيا، أحد أبرز رموز القادرية البكائية، ومن الجدير بالذكر أن أغلبية فرع المدرسة القادرية البكائية من قبيلة كنتة الممتدة بمنطقة غرب أفريقيا[8].

وتنقسم القادرية الفاضلية بدورها إلى فرعين اثنين؛ يتمركز أحدهما في المملكة المغربية وشمال موريتانيا، وهو فرع الشيخ ماء العينين، في حين يتمركز الثاني في جنوب موريتانيا وحوض نهر السنغال، وهو فرع الشيخ محمد فاضل بن مامين[9]، وفي حين كان الفرع الأول يجاهد النصارى الغزاة، على غرار التيجانية الحموية، وفقًا لفتوى الشيخ ماء العينين في كتابه « هداية من حار في أمر النصارى » عام 1885م[10].

كان فرع بن مامين ينحو نحو التيجانية الحافظية في مهادنة الفرنسيين باعتبارهم خطرًا داهمًا لا راد له، وبالتالي يجب التعامل معه بحكمة وأناة خشية من تلاشي ما تبقى من رسم الإسلام ووسمه[11].

المريدية .. سنغالية المنشأ موريتانية المنتهى:

وتعد الطريقة المريدية من الطرق التي لها حضور على ساحة التصوف الموريتاني، وترجع نشأتها إلى أواخر القرن التاسع عشر على يد الشيخ السنغالي أحمدو بمبا، ونظرًا لتوجهات بمبا الجهادية ضد الاستعمار الفرنسي فقد تم نفيه إلى موريتانيا حيث أنشأ فرعًا لطريقته المريدية في بلاد الشناقطة[12].

وفي هذا الإطار يذكر أن الرئيس السنغالي الحالي عبد الله واد من أتباع الطريقة المريدية التي قامت بدور كبير في المساهمة في إيصاله للرئاسة عبر حث أتباعها على التصويت له ضد الرئيس السابق عبده ضيوف الذي فقد دعم المريدية نتيجة سياساته العلمانية في السنغال[13]، وتبقى المريدية الموريتانية ذات حضور فاعل على الساحة وإن كان بشكل أقل من سابقتيها من الطرق التيجانية والقادرية.

الناصرية .. شاذلية بنكهة موريتانية:

وتأتي الشاذلية كأحد أكثر الطرق الصوفية انتشارًا في الغرب الأفريقي بشكل عام وموريتانيا بشكل خاص، ويرجع الوجود الشاذلي في موريتانيا إلى نحو أربعة قرون وفقًا لبعض الباحثين[14].

وتعد الشاذلية الناصرية التي أسسها محمد بن ناصر الدرعي هي الصيغة المويتانية للطريقة الشاذلية التقليدية، ومن أهم رموز تلك الطريقة في موريتانيا لمرابط محمذن فال ولد متالي الذي توفي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي[15].

موريتانيا موئل النقشبندية في الغرب الأفريقي:

وعلى الرغم من التواجد النقشبندي القليل في الغرب الإفريقي، إلا أنه ذو حضور قوي في موريتانيا التي تعد - مع الكاميرون - ملاذ الطريقة النقشبندية وموئلها في منطقة غرب أفريقيا، ومن أهم رموز النقشبندية في موريتانيا الشيخ محمد ولد محمد سالم، ويشار إلى أسرته وأبنائه باعتبارهم ممثلي النقشبندبة في الغرب الأفريقي بشكل عام وموريتانيا بشكل خاص، ومن أهم رموزها الحاليين وزير الشئون الإسلامية الموريتاني السيد أحمد ولد النيني، شيخ محضرة عمر بن عبد العزيز بمنطقة عرفات بنواكشوط[16].

الصديقية والغظفية .. المستورد والمحلي:

وتأتي الطريقتين الصديقية والغظفية ـ أقل الطرق الصوفية انتشارًا على خريطة التصوف الموريتاني ـ كنموذجين للتصوف الموريتاني بجناحيه المستورد والمحلي، إذ ترجع جذور الطريقة الصديقية إلى خارج الحاضنة الموريتانية، حيث نشأت على يد المدعو سيدي محمد الشريف من الفيوم بمصر وانتشرت على يد بعض المريدين في بلاد أخرى من المغرب العربي ومنها موريتانيا[17]، ومن رموز الصديقية الحاليين الشيخ علي الرضا المقرب من النظام الحاكم في موريتانيا.

في حين ينظر إلى الطريقة الغظفية كمثال على مدارس التصوف محلية النشأة والجذور في موريتانيا، وتمثل هذه الطريقة مزيجًا بين الطريقة القادرية والطريقة الشاذلية، وترجع نشأتها إلى مؤسسها الشيخ محمد الأغظف الداودي الموريتاني، ومن ثم فهي طريقة موريتانية خالصة لم تستورد من خارجها، ولم تأت من خارج السياق الموريتاني الصحراوي[18]، ومن أكبر رموزها حاليًا الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين، الذي ورث المشيخة والمريدين والورد عن أبيه، وكذلك أسرة الغزواني التي ينتمي لها قائد القوات المسلحة الموريتانية الجنرال محمد أحمد ولد الغزواني[19].

[1] يقصد بالثقافة السياسية Political Culture منظومة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة وتفريعاتها في مجتمع ما، وتعود جذور هذا المفهوم من الناحية الأكاديمية إلى دراسات كل من جابريل ألموند Gabriel A. Almond، وسيدني فيرنا Sidney Verba، ولوشيان باي Lucian Pye في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

[2] يشير مفهوم الزوايا في الثقافة الموريتانية إلى أصحاب الطرق الصوفية، وترجع أصول الكلمة إلى لفظ زاوي والذي يعني في المفهوم الموريتاني الشيخ أو الإمام أو العالم، لمزيد من التفاصيل بهذا الشأن، انظر: السيد علي أبو فرحة، التحول الديمقراطي في موريتانيا: 2005-2010م، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2011م.

[3] « تجربة التحول الديمقراطي في موريتانيا: السياق، الوقائع، آفاق المستقبل »، دراسات استراتيجية، محمد المختار ولد السعد، محمد عبد الحي، العدد 149، (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 2009)، ص(20).

[4] عبد الله ولد محمد أتفاغ المختار، « البنية الاجتماعية الموريتانية »، ملفات المعرفة، الجزيرة.نت، 3/10/2004، على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/...

[5] محمد ضريف، « التصوف المغاربي.. نحو دبلوماسية غير مصنفة »، صحيفة مغرس الإلكترونية، 2/6/2011، على الرابط التالي:

http://www.maghress.com/almassae/134199

[6] أحمد ولد نافع، « تاريخ التصوف الإسلامي »، موقع التصوف الإسلامي، د.ت، على الرابط التالي:

http://www.islamic-sufism.com/artic...

[7] الزاوية القادرية الكنتية ودورها في حوض النيجر وجنوب الصحراء، طرق وأعلام صوفية، موقع التصوف الإسلامي، د.ت، على الرابط التالي:

http://www.islamic-sufism.com/artic...

[8] المرجع السابق.

[9] محمد الأمين ولد سيدي باب، مظاهر المشاركة السياسية في موريتانيا، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، سبتمبر 2005، ص(44).

[10] حسام تمام، « هل من لقاء بين الفقهاء والمتصوفة؟ محاولة للتقريب من الغرب الأفريقي »، موقع مرصد دراسات الظاهرة الاسلامية، 25/7/2007، على الرابط التالي:

http://www.islamismscope.net/events...

[11] المرجع السابق.

[12] مصطفى محمود، « الطريقة المريدية بالسنغال »، 10/10/2011، موقع الصوفية، على الرابط التالي:

http://www.alsoufia.com/main/articl...

[13] عبد الله محمد، « طوبى تحكم السنغال بالمال والأتباع »، الجزيرة.نت، 13/5/2010، على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/...

[14]"خريطة الطرق الصوفية في غرب أفريقيا"، موقع أون إسلام، 8/2/2010، على الرابط التالي:

http://www.onislam.net/arabic/islam...

[15]"الصوفية في غرب أفريقيا"، موقع مكتب التصوف العالمي، 9/12/2010، على الرابط التالي:

http://soufismoffice.com/index.php?...

[16] موقع وزارة الشئون الإسلامية في موريتانيا، على الرابط التالي:

http://www.affairesislamiques.gov.m...

[17] الصوفية في غرب أفريقيا، موقع مكتب التصوف العالمي، مرجع سابق.

[18] الهادي بن محمد المختار النحوي، « بين التصوف والسلفية في بلاد شنقيط »، د.ت، على الرابط التالي:

http://www.mejaliss.com/index.php?o...
[19] خبر على الرابط التالي:

http://www.alakhbar.info/6153-0-0F-...

مصطفى شفيق علام — موقع الصوفية


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م