موريتانيا: ثروات طبيعية هائلة وتطور في مؤشرات النمو وضعف في التسيير والتخطيط

موريتانيا: ثروات طبيعية هائلة وتطور في مؤشرات النمو وضعف في التسيير والتخطيط

الثلاثاء 28 نيسان (أبريل) 2015 الساعة 05:10

تتوقع السلطات الاقتصادية والنقدية أن تحتفظ موريتانيا خلال السنة الجارية بتوازناتها ومستوى نموها رغم الظروف الضاغطة وانهيار أسعار خامات الحديد، أبرز مادة يصدرها البلد على مستوى الأسواق العالمية.

وقد أكدت هذا التفاؤل، تقارير تمخضت عنها مهمات دورية خاصة أنهتها أخيرا بعثات تابعة للبنك الدولي وصندوق النقد لدولي ضمن متابعة مسارات الاقتصاد الموريتاني.
وفي هذا الصدد يشير آخر تقرير للبنك الدولي أن المقارنة ما بين التقدم المتوسط في مستوى معدل النمو البالغ 4.9 في المئة والمسجل ما بين 2003 و2013 مع مستوى النمو الحالي لموريتانيا الذي بلغ 6.8 في المئة عام 2014، يؤكد وجود تسارع في الوتيرة.

ثروات متنوعة

لقد عوض النمو المسجل على مستوى قطاعات الزراعة والبناء وعلى مستوى القطاع المعدني وقطاع الخدمات، ضعف النشاط المسجل عل مستوى قطاع الصيد.
وتتواصل حاليا مفاوضات بين الحكومة والاتحاد الأوروبي لتحسين ظروف اصطياد الأسطول البحري الأوروبي في المياه الموريتانية وهو ما سيمكن من زيادة ريع هذا القطاع والمساهمة بالتالي في التنمية.

وسيؤدي التوسع الجاري للقطاع المعدني وبخاصة عمليات استغلال الحديد الخام، إلى حفز التنمية الاقتصادية للبلد عبر هذا القطاع الهام؛ وتعتبر موريتانيا ثاني مصدر أفريقي للحديد الخام، وسيرتفع إنتاجها من خامات الحديد خلال السنة الجارية 2015 إلى 18 مليون طن أي بزيادة تقارب 40 في المئة.

ويتوقع أن تنطلق خلال السنة الجارية، حسب معلومات مستقاة من وزارة الشؤون الاقتصادية، عمليات استغلال حقل الغاز في الجرف القاري الموريتاني بتمويل من البنك الدولي.

معوقات معترضة

وتعاني موريتانيا من برودة في التنافس الاقتصادي، ومن وجود اقتصاد ضيق الأفق وغير متنوع. ويساهم القطاع التصنيعي بنسبة ضئيلة جدا في الناتج الداخلي الخام حيث لا تتجاوز مساهمته 4 في المئة. ويعاني القطاع الزراعي كذلك من انعكاسات ارتفاع الحرارة، ومن انعكاسات الجفاف. ويشهد التضخم انخفاضا منذ 2010 ويتوقع أن يستقر خلال عام 2015 في معدل أقل من 4 في المئة بسبب انخفاض أسعار الغذاء.

اعتماد كلي على التصدير

يعتمد الاقتصاد اعتمادا كليا على التصدير وبخاصة الصادرات المعدنية التي تمثل أربعة أخماس الصادرات وهذا ما يجعله معرضا للصدمات الخارجية.

وتعتبر الصين أول شريك لموريتانيا حيث أنها تستورد نصف ما تصدره للخارج مع أن سنة 2014 شهدت تباطؤا في عمليات التوريد الصينية.

وتستورد موريتانيا ثلاثة أرباع حاجاتها الغذائية ويتوقع أن تكون هذه الكمية قد انخفضت قليلا خلال عام 2014.

وفيما يخص الحساب الجاري فإن العجز سيزداد خلال سنة 2015، حسب المؤشرات القائمة بفعل انخفاض أسعار الحديد الخام في الأسواق العالمية.

ومن المتوقع أن تساهم استثمارات خارجية في قطاع الصناعات الاستخراجية مضافة لقروض ميسرة في سد هذا العجز.

وقد عانى توازن الميزانية خلال سنة 2013 من إيقاف المساعدات المالية الموجهة للجفاف. ومع ذلك فقد شهدت العائدات المالية تحسنا مهما خلال الفترة ما بين 2009 و2013 بفضل تحسن كبير في التسيير والتجميع الجبائي. ويتوقع أن تستعيد المالية العامة توازنها خلال عامي 2014 و2015 بفعل العائدات الجبائية على مستوى القطاع المعدني والبترول.

وفيما يتعلق باحتياطات العملة الصعبة فقد بقيت مرتفعة خلال عام 2013 بواقع سبعة أشهر توريدات. ومع أن الدين العمومي ما زال مرتفعا إلا أنه سيشهد انخفاضا ملموسا بفعل حالات إلغاء للديون وعمليات التسديد المتواصلة.

وبالرغم من الجهود التي بذلتها الحكومة لتثبيت سعر العملة المحلية (الأوقية) مقابل الدولار فمن المتوقع أن يشهد سعرها انخفاضا ما خلال العام. وقد أطلق البنك المركزي خلال 2014 مشروعا لإقامة بورصة للقيم العقارية في نواكشوط.

حكامة ضعيفة
في وسط أمني مضطرب

تؤكد معدلات الفقر الكبيرة (40 في المئة) المستقرة منذ 2008 مضافة لمعدل البطالة (قدرته السلطات بـ 10 في المئة عام 2012)، وجود مخاطر باندلاع اضطرابات إجتماعية قد يزيد من تعقيدها التوزيع غير المتكافئ للثروة. وتتميز موريتانيا بوجود حكامة ضعيفة عاجزة عن تحقيق معدل نمو شامل. وستوقع الحكومة على ثالث برنامج إصلاحي لها مع صندوق النقد الدولي مما سيمنحها فرصة الحصول على مساعدات مالية إضافية من الصندوق ومن البنك الدولي.
ومن الرهانات الصعبة التي تهدد استقرار البلد مشكلة الرق؛ فبالرغم من تتالي إصدار القوانين المجرمة لهذه الممارسة، فإن ما بين 400 و600 ألف شخص ما يزالون، حسب مصادر حقوقية دولية، مستعبدين من أصل سكان يبلغ عددهم 3.8 مليون نسمة.
وتوجد موريتانيا مع ذلك في بيئة مضطربة، فالقضية الأمنية مقلقة ومعرضة للانفلات بسبب حضور المجموعات الإرهابية وبخاصة تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي، في منطقة الساحل.
وتعتبر هذه المجموعات الحاضرة في التخوم الشرقية والشمالية لموريتانيا، عامل اضطراب كبير يهدد استقرار البلد.
ولكي تبعد مخاطر هذه المجموعات عن ترابها، أطلقت موريتانيا عام 2014 مشروعا للتعاون الأمني بمنطقة الساحل يسمى «مجموعة 5» تشارك فيه بوركينافاسو ومالي والتشاد والنيجر، ويتولى مواجهة التهديد الإرهابي.
وتضم موريتانيا البلد الصحراوي 3.8 مليون نسمة، ويبلغ دخل الفرد فيها 1060 دولارا حسب أرقام 2013.
وقد شهدت السنتين الماضيتين ارتفاعا كبيرا لمعدل النمو بفعل ارتفاع أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية. وتعتبر غنية بالموارد الطبيعية حيث أنها ثاني مصدر أفريقي لخامات الحديد وأحد المصدرين الأساسيين للذهب والنحاس.
وتتوفر على منتوج نفطي متواضع وعلى احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي في حقول «بندا» بالجرف الساحلي وهو ما يفتح أمامها آفاقا اقتصادية هامة. وسواحلها من أغنى شواطئ العالم بالأسماك.

السياق السياسي

فتحت موريتانيا بعد المرحلة الانتقالية الديمقراطية التي استمرت من 2005 إلى 2006، حوارا هاما مع شركائها في التنمية. وفي هذا الصدد استفادت من إلغاء واسع النطاق لديونها ضمن مبادرة دعم الدول الأكثر ديونا، كما استفادت من مبادرة تسهيل الديون المتعددة الأطراف.
وبعد انقلاب 2008 أوقفت المجموعة الدولية غالبية نشاطاتها في موريتانيا قبل أن يستأنف البنك الدولي نشاطاته في 2009 إثر الانتخابات التي أسفرت عن تشكيل حكومة وحدة وطنية والتي تلاها رفع العقوبات الدولية. ولوحظ أنها أصبحت مستقرة وقد جرت عام2014 انتخابات رئاسية ضمن جو هادئ وسلمي.

السياق الإجتماعي

بالرغم من الزيادة الكبيرة في معدل النمو الاقتصادي لا يزال معدل الفقر مرتفعا وبخاصة في المناطق الريفية.
وتعترض عوامل كثيرة خفض معدل الفقر بينها ضعف أداء الاقتصاد الريفي وغياب قطاعات ذات رأسمال بشري مكثف ومنها ضعف الحكامة وضعف الخدمات وهشاشة الوسط الريفي الشديدة أمام الصدمات الخارجية.
وحسب تقديرات معدل الفقر المنجزة رسميا عام 2008 فإن المعدل انخفض من 46.7 إلى 42 في المئة ما بين 2004 و2008.
ومن المتوقع أن تتجدد المعطيات الخاصة بالفقر بعد اكتمال التحقيق الخاص بالأسر مستهل عام 2015. وارتفع مؤشر التنمية البشرية من 0.424 إلى 0.487 ما بين 2004 و2014 مقابل معدل 0.502 المسجل على مستوى منطقة أفريقيا ما وراء الصحراء.

الوضع الاقتصادي

بلغ معدل النمو الاقتصادي 6.7 في المئة عام 2013 فيما بلغ دخل الفرد 1060 دولارا وهذا ما يضع موريتانيا في خانة الدول ذات الدخل المتوسط.
وعرفت المؤشرات الاقتصادية تحسنا كبيرا كما شهد احتياطاتها الخارجية زيادة مهمة وتحسنت هوامش حيزها المالي بفعل زيادة أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية وبفعل انتهاج سياسة تسيير اقتصاد صارمة وحذرة.
وقد تجاوزت الاستثمارات الخارجية مليار دولار ما بين 2012 و2013 مما يوازن العجز في الحساب الجاري.
ويظل الحديد الخام المحرك الأساسي للاقتصاد ومن المتوقع أن يشهد زيادة وتحسنا كبيرا.
وسينطلق في السنة الجارية 2015 ،إنتاج الغاز الطبيعي ضمن برنامج «بندا غاز تو بوور» المدعوم من البنك الدولي. وقد وقعت اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي عام 2013 وتتواصل حاليا المفاوضات لتجديدها.
وشهد توازن الميزانية انخفاضا بنسبة 1.1 في المئة عام 2013 إلا أنه سيستعيد مستواه العادي في عام 2014؛ كما تحسن الوعاء الضريبي كثيرا بفعل عائدات القطاع المنجمي وتحسن الجباية وهو ما مكن من بروز رؤية جبائية أفضل. وتضاعفت العائدات الجبائية بين عامي 2009 و2013 بينما ظل التضخم عاديا في حدود 4.2 في المئة.
وفي عام 2013 تم الحفاظ على احتياط العملات الصعبة في مستوى مرتفع أي في حدود سبعة أشهر من حجم الصادرات.
وكانت آفاق 2014 في المدى المتوسط إيجابية حيث يتوقع أن يرتفع معدل النمو للناتج الداخلي الخام إلى 6 في المئة ليصل في المدى المتوسط إلى 6.5 في المئة، كما يتوقع أن يكون توازن الميزانية إيجابيا خلال الفترة ذاتها.

تحديات التنمية

تواجه موريتانيا في مجهود نموها تحديات كبيرة جدا بينها الاحتفاظ بالاستخدام الفعال لعائدات الموارد الطبيعية والتنافس وتنوع الاقتصاد وضعف الحكامة.
فبخصوص ترشيد الموارد الطبيعية فإن الصناعات الاستخراجية التي هي محرك تنمية البلد لا توفر فرص العمل مما يجعل الحكومة ملزمة بالمصادقة على نظام جبائي يناسب هذا الواقع ويمكن في آن واحد، من الحصول على مقابل منصف من المواد المستخصلة ومن تشجيع سياسات الاستفادة المتجددة من أرباح الاستثمارات للحصول على عائدات دائمة وموزعة بصورة أفضل.
ومن ناحية أخرى فإن قطاعي الزراعة والصيد اللذان يشغلان غالبية اليد العاملة ويتوفران على إمكانيات هامة، يتميزان بمستويات إنتاج ضعيفة للغاية وهما مع ذلك معرضان للتأثر بالتغييرات المناخية.

التنوع والتنافس

يعتبر التنافس محدودا بالنسبة للاقتصاد الذي هو في الواقع ضيق ويعاني من ضعف التنوع ومن هشاشة الإطار القانوني.
فمند سنوات 1990 والصادرات محصورة في القطاع المعدني والصيد اللذين يمثلان في المتوسط أكثر من أربعة أخماس مجموعة الصادرات خلال العقد ما بين 1990 و2000.
وفي السنوات الأخيرة فإن تنوع الاقتصاد، خارج حالة النفط الخام، لم يشهد أي جديد. وعلى العكس من ذلك فإن تجمع الصادرات قد شهد مؤخرا (زيادة ما بين 2012 و2013)، مثل الحديد الخام الذي يمثل 50 في المئة من مجموع الصادرات.
ويعتبر ضعف الحكامة وهشاشة التحكم في التفاوت ومواجهة إعادة توزيع الثروة أهم التحديات التي يمكن أن تجتازها موريتانيا بشرط مواصلة الحكامة الراشدة وبخاصة في القطاع المنجمي وفي إشراف الدولة على المؤسسات.
وتلعب الحكامة الراشدة أيضا دورا هاما في دعم المقاومة الإجتماعية من أجل تحسين الخدمات الأساسية كالصحة ومكافحة الفاقة. وتؤكد دراسة أخيرة للبنك الدولي «أن الحكومة سجلت تقدما كبيرا في مجال تحسين الحكامة والشفافية في قطاع الاستخلاص المعدني، كما أنها تساير بشكل تام ضوابط مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية».
إنها معلومات مفرحة بالنسبة لموريتانيا، تضيف الدراسة، فإذا ما حظيت هذه الموارد، بتدبير وتسيير رشيدين فإنها ستؤدي لتدفق ثابت للدخل من شأنه إذا رافقته سياسيات مناسبة أن يوصل المجتمع الموريتاني لمستويات من الرفاه، كما سيوصل الأجيال المقبلة إلى مستويات مهمة من العيش الهانئ.

عبدالله مولود

المصدر : «القدس العربي»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م