رداً وتعقيباً: موريتانيا وأحكام الشريعة

رداً وتعقيباً: موريتانيا وأحكام الشريعة

الأربعاء 4 شباط (فبراير) 2015 الساعة 14:24

بقلم : حسام أبو حامد

حين سُئل الشاعر أبو تمّام: لمَ تقول ما لا يفهم؟ كان جوابه لسائله: وأنت، لمَ لا تفهم ما يقال؟ من الواضح أن السائل، هنا، لا يُضمر حسن النية، بل يتعمد سوء الفهم، وإلا لما كان جواب أبي تمام يحمل هذا القدر من السخرية. وقد بات سوء الفهم المتعمّد أحد أمراض الثقافة، حين تُراد به المصادرة على الرأي الآخر وإقصاؤه عبر تشويهه، ومن ثم إدانته والتحريض عليه. وهو تماما ما يمارسه محمد فال الشيخ في مقاله في « العربي الجديد »، في 24 يناير/ كانون الثاني 2015، « موريتانيون مسلمون لا تكفيريون ولا مستعبِدون »، رداً على مقالة صاحب هذه السطور، في الصحيفة، في 22 من الشهر نفسه، « التكفير والرق في موريتانيا ».

تطاردني الإدانة على مدى طول مقالة الكاتب وعرضها، كوني أقحمت نفسي، بحسب وصفه، في قضايا موريتانية داخلية. وهو يستند في ذلك إلى حجج مختلفة، كان أغربها تلك المتعلقة بما « جرى ويجري في هذا البلد (موريتانيا) القصي البعيد عن اهتمامات العرب »! ويبدو أنني مضطر، بدايةً، أن أذكّر من يقدّم نفسه إعلامياً، أننا بتنا في القرن الحادي والعشرين، حيث العالم أوسع من حدود القبيلة، وأرحب من أي ضيق أفق أو انغلاق على الذات.

وبالإضافة إلى الافتقار إلى الأمانة العلمية في النقل والاقتباس، بغرض تقويلي ما لم أقل، يتحوّل سوء الفهم المتعمد، عند فال الشيخ، إلى تحريض مكشوف، يبلغ ذروته حين يتهمني بالإساءة والتجنّي على شعب طيب ومتسامح، هو الشعب الموريتاني فأتهمه بـ « التكفير والاستعباد ». وتذكيراً بأبسط مسلّمات علم الاجتماع، وما هو من بديهيات المنطق، أسأله: إذا تناولنا بالبحث ظاهرة الاتجار بالمخدرات في المجتمع الفنزويلي، مثلا، هل معنى ذلك أننا نصِم الشعب الفنزويلي بكامله بأنهم تجار مخدرات؟ أليس من المفروض أن يكون إلى جانب المتسعبِدين مستعبَدون، وإلى جانب التكفيريين مكَفَّرون، وأن يكون هؤلاء وأولئك موريتانيين؟ فكيف يستنتج مني تعميما؟

أما قوله إنني أتهم الفقهاء في موريتانيا بالوقوف مع العبودية، أو التشريع لها، والذي يصفه بالكذب والافتراء، فهو تماماً ما يمارسه هو لغاية مكشوفة، هي التحريض، مهما كان الثمن. إن أي عودة إلى مقالي تبرهن أني تحدّثت عن « نخب » سياسية ودينية، تحالفتْ مع تجار العبيد، فوقفتْ عائقاً في سبيل القضاء على الظاهرة، ولم أستخدم أي صيغ معممة. وما ذكرته تؤكده الوثيقة التي أصدرها حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الموريتاني « تواصل »، ودعا فيها إلى رفع « غطاء الشرعية » عن الممارسات الاسترقاقية بكل مظاهرها، وكان من محاسن المصادفات أن يترافق نَشْر مقالي بالتزامن مع صدور هذه الوثيقة.

لا يضيف فال الشيخ جديداً عن واقع الرقّ في موريتانيا، بل يعود ليكرر الرواية الرسمية التي ذكرتها في مقالي حرفياً. بل، يضيف إليها ما فاتني، فيقول:" فسياسيون موريتانيون كثيرون يدخلون السياسة من بوابة محاربة العبودية وعبر النافذة الحقوقية، وأصبحت هذه القضية جزءاً من المناكفات السياسية الداخلية، وبالتالي، هي ورقة سياسية، أكثر منها حقيقة موضوعية". أي امتهان لعقل القارئ أكثر من هذا؟ فكيف يستقيم في نظره لسياسيين أن يكسبوا أنصارهم ويخوضوا معاركهم بالاستناد إلى قضايا وهمية؟ هل يريد منا أن نصدق أن جموعاً غفيرة من الشعب الموريتاني هم بتلك السذاجة، لكي يسيروا خلف هؤلاء بناءً على وهم لا وجود له؟ وكأننا نستمع إلى قصة الملك الذي يسير عارياً، مع يقينه أنه يرتدي ثوبه الجديد الفاخر، ومن حوله جموع غفيرة تصفّق إعجاباً بهذا الثوب الوهمي، ولا أدري إن كان بينهم ثمة طفل قد يجرؤ على أن يصيح: إنه عارٍ. يبدو أننا بعيدون فعلا عما يدور في موريتانيا.

وحين يتهمني فال الشيخ بالتعميم، فهو إنما يمارس نوعاً من الإسقاط النفسي لا أكثر، كونه مسكونا بالتعميم والأحكام المطلقة. فيقول مثلاً: « الكل يعرف أنه لا توجد، الآن، عبودية في موريتانيا »، أي عيب معرفي ومنهجي يمكن أن يقع فيه كاتب أكثر من هذا؟ وأي إصرار على ادعاء احتكار الحقيقة؟ ثم من هو هذا « الكل » المزعوم؟ هل هو المنظمات الحقوقية المحلية والدولية وتقاريرها المختلفة التي تتحدث عن ظاهرة الرق بأرقام وإحصاءات ذكرت أحدها وأهمها في مقالي السابق؟ أم هو تلك الشريحة الواسعة من الكتاب والمثقفين الموريتانيين المناهضين للرق؟ أم الجموع التي تنزل إلى الشوارع مطالبة برفع هذا الظلم؟ أم هم ربع سكان العاصمة الذين يعيشون في بيوت الصفيح؟

ويستمر العسف المنهجي والمعرفي، واستسهال إصدار أحكام مطلقة لدى الكاتب، فيقول: « ثم إن قضية ولد امخيطير قضية اجتماعية في موريتانيا، اتفق عليها الإسلاميون والعلمانيون والمعتدلون والمتطرفون ». كم بات من السهل اتفاق أيديولوجيات متعارضة حول قضايا الاجتماع، لا سيما في مجتمع موريتاني منقسم طبقياً ومتعدد إثنياً! علينا أن نضرب، بعد هذا الاكتشاف، بعرض الحائط، كل نظرية تتحدث، بعد اليوم، عن أي مفهوم يتعلق بالصراع الاجتماعي.

ثم، فلنسأل صاحبنا سؤالاً بسيطاً من نوع: في بلد لا توجد فيه نمور، ما هو مبرر سن قوانين تجّرم صيدها؟ في عام 1980، صدر قانون إلغاء الرق، وهناك آخر صدر في عام 2003، إلا أن كليهما لم يتضمن أي عقوبات بحق ممارسي الاسترقاق، وكان ينبغي الانتظار حتى عام 2007 لتسنّ عقوبات وغرامات في حقهم، وتضمنت التعديلات الدستورية في عام 2012 تلك الظاهرة (المادة 13). فلماذا سنّت هذه القوانين وتلك العقوبات والغرامات، طالما أنه لم يبق من الرق بحسب زعمه « إلا آثاره »؟ ألا تنطوي عبارة « إلا آثاره »، في حد ذاتها، على تشويش ومواربة كثيرين.

يستمر ذرّ الرماد في العيون، حين يصر فال الشيخ على تناول الرق بمفهومه التقليدي الضيق. وللتوضيح، يشمل التعريف الحديث للعبودية الرق بمفهومه التقليدي وأشكالاً أخرى، فبالإضافة إلى الاتجار بالبشر، هناك العمل بالسخرة والزواج القسري وعمالة الأطفال والرق المنزلي والاستغلال الجنسي التجاري وغيرها. وقد دعوت في مقالي إلى « أن يمتلك المتنورون من رجال الدين وعلماء الأمة الجرأة اللازمة لإصدار فتاوى صريحة تحرّم الرق بأشكاله كافة »، ولم تقتصر دعوتي على الرق بمفهومه التقليدي، لكن فال الشيخ يقع، دائماً، أسيراً لسوء الفهم المتعمد.

ويحاول فال الشيخ تنبيهنا إلى الفرق بين القتل حداً والقتل كفراً، ويذكر ما يحصل عليه الأول من مزايا بعد موته (يصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويورّث ماله)، والتي يجرد الثاني منها، لكنه لو قرأ مقالي لغاية الفهم أولاً، لعرف أيهما أقصد، من دون حاجة منه إلى هذا الجهد المدرسي. مع ذلك نتساءل هنا: هل يضير الشاة جلدها بعد ذبحها؟ نحن نتحدث عن قدسية الحياة التي إن غُيّبت، فلا معنى لحديث عن كرامة ميت.

أما أن صاحبنا لا يرى رابطاً بين قضية ولد امخيطير وقضية الرق في موريتانيا، فنحن نصّر أنهما قضيتان تنتميان إلى إشكالية واحدة، يفصح عنها سؤال منهجي ومعرفي واحد: كيف يمكن تطبيق أحكام الشريعة في مجتمع يفتقد الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية؟ ألم تؤدّ تجارب تطبيق الشريعة في موريتانيا، منذ انقلاب عام 1978، إلى نتائج كارثية، حين كرّست الظلم الاجتماعي، وعمّقت التفاوت الطبقي في المجتمع الموريتاني؟ ألم يعلن الرئيس الموريتاني، معاوية ولد طايع، أن أحكام الشريعة قد طُبقت على الفقراء من دون الأغنياء؟ هل يقول لنا فال الشيخ كم عدد المتورطين في ممارسات الاسترقاق الذين طبقت بحقهم عقوبات بالسجن أو الغرامة؟ نحيله، هنا، إلى الحديث النبوي الذي رواه البخاري « إنما أهلكَ الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الغني تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحدّ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ».

ومن باب « وشهد شاهد من أهلها »، أحيل فال الشيخ إلى الباحث الإسلامي الموريتاني، محمد بن المختار الشنقيطي الذي حذر من مثالب السلفية التي ألزمتنا ما لا يلزم، حين حولت التاريخ وحياً، ما أدى إلى الخلط بين الشريعة، من حيث هي نصوص الوحي المتضمنة للأحكام الفقهية، والآراء الفقهية في فهم تلك الأحكام. لتبرز، على إثر ذلك، ما يصفها بـ « مصائب فقهية »، كالرجم وحد الردة وبعض فقه أهل الذمة، وغيرها مما يتعارض مع البديهيات القرآنية. كما يرى أنه، ونتيجة لهذا الخلط واختزال القيم الإسلامية، من حيث هي كليات (العدالة والمساواة والحرية... إلخ) في الأحكام، من حيث هي جزئيات، تتحول الشريعة خادمةً للدولة، فتتغول الأخيرة على حساب الحريات الفردية والجماعية، لا سيما أن السلطة الفاقدة للشرعية تسعى دائماً إلى التعويض عن شرعيتها المفقودة، بإظهار نفسها حامية للقيم وللشريعة. الأمر الذي يؤدي، في غياب الحرية، إلى تخريب الضمير الخلقي، ونشر ثقافة الرياء. لذا، يلحّ الشنقيطي على ضرورة تجديد الفقه الإسلامي وتحقيق شرعية السلطة، بقيام نظام ديمقراطي قبل البدء في تطبيق الشريعة.

إن طرحنا قضية ولد امخيطير الذي انتقد موروثاً اجتماعياً ووقائع تاريخية يجعلها بعضهم فوق التاريخ، ويرفعها إلى مرتبة الوحي، كما ذكرنا في حينه، هو دفاع عن قيم الإسلام في العدالة الاجتماعية والمساواة وحرية الفكر والاعتقاد وقدسية الحياة، إذ إن ولد امخيطير هو ضحية تلك « المصائب الفقهية »، وتلك السلفية التي تصرّ على الخلط بين قطعيات الشريعة وظنياتها، وبين الدين والتديّن، وبين الوحي والتاريخ، بل هو ضحية لثقافة الرياء تلك.

حسام أبو حامد
كاتب فلسطيني مقيم في دمشق، دبلوم دراسات عليا في الفلسفة. شارك في تأليف منهاج الفلسفة للمرحلة الثانوية في سورية، نشر مقالات في عدة صحف عربية.

المصدر : « العربي الجديد »


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م