علمنة الإسلام

علمنة الإسلام

الأربعاء 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 الساعة 13:25

بقلم الدكتور محمد اسحق الكنتي

في هذا المقال يجيب الدكتور محمد اسحق الكنتي على مقال محمد بن المختار الشنقيطي

لعل من المفارقات العجيبة أن يكون اليهودي شاوول (03م-64م)، أو بولس الرسول، كما يسميه المسيحيون، قد عاش في مدينة طرطوس التركية، حيث راجت الفلسفة اليونانية، الرواقية خصوصا، فكان هو الذي « علمن » المسيحية، وحرفها بإسقاط شريعة موسى منها. وكان كمال أتاتورك، من يهود الدونمة، الأتراك، هو الذي ألغى الخلافة الإسلامية، فأدخل العلمنة إلى أرض الإسلام. واليوم، يقود أتراك آخرون، الله أعلم بجذورهم، علمنة الإسلام. ومثلما كان بورقيبة صدى لكمال أتاتورك، ودعوته العلمانية، في الوطن العربي، جاء اليوم تونسي آخر يعيد إنتاج العلمانية التركية، ويسوِّقها في الوطن العربي!

إذا كنا سنفرد دراسات لاحقة لفكر الغنوشي، فإننا هنا، سنهتم ببعض ما ينشره أحد مروجي أفكاره، دون نسبتها إليه!

نشر موقع الأخبار الإلكتروني يوم 04/11/2011، مقالا بعنوان: هل تصلح الثورات بين الإسلاميين والعلمانيين؟ لكاتبه محمد بن محمد المختار الشنقيطي، وهو استعادة لمقال منشور في موقع الغنوشي، بعنوان: في التقارب الإسلامي العلماني، الغنوشي والمرزوقي نموذجا، بتاريخ الاثنين 25 أكتوبر 2010.

صيغ العنوان في شكل تساؤل، لكن المقال يدعو الطائفتين إلى الصلح، لأن غايتهما الجوهرية واحدة، واختلافهما عرضي، « ...لأنهم يسعون في الغالب إلى غايات دنيوية، لكنهم يعبرون عنها بلغات مختلفة. »

تلك هي أول النقاط التي تجمع الفريقين « غايات دنيوية »، لكن سوء الفهم، أو غموض الخطاب، هو الذي يفرق بينهما. وإذا علمنا أن العلمانيين يعبرون عن غاياتهم الدنيوية بلغة صريحة، لا كناية فيها، ولا تورية، بحثنا عن الغموض في خطاب الإسلاميين الذين يستخدمون لغة دينية للتعبير عن غايات دنيوية، كما قال الكاتب! هذه الشهادة ذات قيمة عالية في فهم خطاب جماعة الإخوان، لأن صاحب المقال ينتمي إليهم، والموقع الذي نشره موقعهم، ولم يعترض أحد منهم، حتى كتابة هذه السطور، على ما ورد في المقال. اعتمادا على ذلك، فإن الإخوان يسعون، مثل العلمانيين، إلى غايات دنيوية، عن طريق خطاب ديني. لطالما كرر خصوم الجماعة هذه « التهمة »، أما أن يكتبها واحد منهم، نعته بعض إعلامهم بالمفكر الإسلامي، وينشرها موقعهم الرسمي، فذلك يحيلنا إلى ما قاله القرضاوي من أنه يكتم بعض آرائه الفقهية مخافة شغب العامة عليه...

ما فعله الكاتب ليس سوى التصريح بأن ممارسة « التقية » ليست قاصرة على بعض أفراد الجماعة، وإنما هي نهج فكري، لم تعد هناك حاجة إلى ستره بعد « ثورات الربيع المباركة ».

يذكِّر الكاتب الطائفتين بأن كل واحدة منهما استخدمت السلطة والنفوذ ضد الطائفة الأخرى. استعمل الإسلاميون سلطة الدين ضد العلمانيين، واستعمل هؤلاء سلطة الدولة ضد الإسلاميين. لكن بدل أن يضرب الكاتب مثالا بدولة سيطرت فيها جماعة الإخوان على السلطة، فاضطهدت العلمانيين، ضرب مثلا بالسعودية، حيث يحظر نشاط الحركة، وهو ما حمى المملكة من عواصف الربيع!

« ففي بعض الممالك العربية التي تدعي أن دستورها القرآن –مع نسيان سورة الشورى- وأن منهاجها سيرة السلف –باستثناء هدِّهم لعروش الأكاسرة والقياصرة- تمَّ تأميم الدين، وتحولت الشريعة خادمة للدولة، حتى أصبحت الفتاوى السياسية مسْخَرة، والنوازل مهازل. »

يقول الماركسيون إن كل واحد من أفراد المجتمع يتكلم من موقعه الاجتماعي. وما يصدق على المواقع الاجتماعية يبدو، في الحالة التي نحن بصددها، صادقا على الموقع الجغرافي الذي كتب منه صاحب المقال... لقد اختلق الكاتب مناسبة لرمي السعودية بحجر، في موسم الحج، بعد أن أمضى سنين في ضيافة « الشيطان الأكبر »، علَّ ذلك يرضي أصحاب الأيكة...

يرى الكاتب أن الثورات عطلت الطائفتين من سلطة الدين والدولة؛ « ووجد الإسلاميون والعلمانيون أنفسهم وجها لوجه، دون تروس من سلطة الدولة أو مؤسسة الدين, وسيتعين عليهم من اليوم إدارة الحوار بالحسنى حول مفاهيم أساسية لم تجد حظها بعد من الحوار الجدي المفتوح، مثل مفهوم »العلمانية" و"الدولة الإسلامية" و"تطبيق الشريعة".

هذه شهادة أخرى على أن « الثورات » عرت جماعة الإخوان من لبوسها الديني، الذي طالما تدثرت به، وهي ستدخل في حوار مع العلمانيين حول « العلمنة »، و"الدولة الإسلامية" و"تطبيق الشريعة"، متحررة من المرجعية الدينية، وبذلك ينحل الخلاف بينها وبين العلمانيين...﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾، (النساء 89).

هكذا، أصبحت نتائج « الحوار بالحسنى » معروفة سلفا، حين قالت الجماعة للعلمانيين، بلسان عربي مبين (إنا معكم...)...

يضرب الكاتب مثالا آخر، ليس أقل غرابة من مثال السعودية، على أن الإسلاميين، والعلمانيين « يسعون إلى غايات دنيوية، لكنهم يعبرون عنها بلغات مختلفة »، بحوار المشرق والمغرب بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري. وتكمن الغرابة في أن الرجلين علمانيان، من خلفية ماركسية، إلا إذا كان الكاتب يعد « اليسار الإسلامي »، الذي نظر له حسن حنفي، أحد مكونات الاتجاه الإسلامي!

لا يتبع الكاتب، عند اقتباسه، طرائق التهميش، المتعارف عليها؛ فهو لا يذكر شيئا عن المصدر الذي رجع إليه (أعداد مجلة اليوم السابع، أم الكتاب المطبوع، نسخة ورقية، أم ألكترونية). عند العودة إلى الكتاب الصادر عن دار توبقال (ط1/1990)، تبين لنا أن الكاتب لم يرجع إلى هذه الطبعة بدليل أنه يجعل اقتباسه الأول في الصفحة (38)، وهو في الصفحة (45) واقتباسه الثاني في الصفحة (44)، وهو في الصفحة (49). ذاك عن الشكل، أما المضمون، فقد جاء فيه الكاتب بالعجب العجاب، حين قال:" وتوصل الاثنان إلى نتيجة متشابهة، وإن لم تخل من مفارقات في صيغة التعبير عنها، فحسن حنفي انتهى إلى أن « الإسلام دين علماني في جوهره، ومن ثم لا حاجة له لعلمانية زائدة عليه مستمدة من الحضارة الغربية » (حوار المشرق والمغرب، ص 38). ثم وافقه الجابري بلفظ مختلف، فتوصل إلى أن « العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام، لأنه ليس فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة » (ص 44 من الكتاب نفسه).

أي منطق يجيز أن تكون (أ) هي (لا أ)! كيف يكون القول بإثبات شيء مساويا للقول بنفيه! يثبت حسن حنفي العلمانية صفة جوهرية في الإسلام، بينما يؤكد الجابري أن الإسلام مستغن عن العلمانية، وأن المصدر الذي انبنت عليه العلمانية (فصل الكنيسة عن الدولة)، لا وجود له في الإسلام، إذ ليس في الإسلام كنيسة. فأي تأويل، سمح للكاتب بالقول « وتوصل الاثنان إلى نتيجة واحدة »!

يلح الجابري، في نصه، على نقض أطروحة حنفي، حين يقول: « إن عبارة »الإسلام دين علماني"، التي استعملتها، لا تختلف، في نظري، عن عبارات أخرى مثل « الإسلام دين اشتراكي »، أو « الإسلام دين رأسمالي »، أو « الإسلام دين ليبرالي »، إلخ. إن هذه العبارات، ومثيلاتها لا تحل المشكل، ولا تدفع إلى التفاهم"، (ص:46)، ذلك أنها عبارات جاهزة، تجعل الإسلام نبتا متسلقا، يضيفه كل صاحب بدعة إليها، ليبررها به. وقد استخدم الكاتب هذه العبارات الجاهزة، حين دعا إلى « ليبرالية إسلامية » في مقابلة أجرتها معه صحيفة « العصر » الالكترونية، بتاريخ 09/11/2010. « أرى أن المستقبل في الدول العربية خصوصا، وفي العالم الإسلامي عموما، سيكون لمن يتبنون منهج »اللبرالية الإسلامية"، التي تتمسك بقيم الإسلام دون إكراه، وتتشبث بحرية الفرد والمجتمع دون وصاية."

هذه استعادة أخرى للتاريخ الكنسي. فقد ظهر في الكنيسة الكاثوليكية منذ عام 1830، تيار تسمى"الليبرالية الكاثوليكية" بزعامة مونتالمبير (Montalembert)، ولاكوردير(Lacordaire)، سعى أنصاره « عبر الصحف والمجلات، إلى التوحيد بين إيمانهم الكاثوليكي واعتقاداتهم الديمقراطية » (فتحي القاسمي: العلمانية وطلائعها في مصر، مكتبة المعارف، بيروت،ط1-1999، ص:46)، وهو التيار نفسه الذي أنشأ الأحزاب « المسيحية الديمقراطية »، بتشجيع من البابا بيوس الحادي عشر (Pie XI)، الذي دامت بابويته من (1922-1931). والأحزاب « المسيحية الديمقراطية » هي المثال الذي احتذاه حزب « العدالة والتنمية » في تركيا، ويعمل على تصديره، بتشجيع من الغرب، إلى العالم الإسلامي...

إن الجمع بين الليبرالية والإسلام، شبيه بالجمع بين الماركسية والإسلام. ذلك أن كلا النظريتين تقومان على تماثل الديانات. فالليبرالية ترى أن الديانات متكافئة، وينبغي على الدولة أن تتخذ منها موقفا واحدا، هو إبعادها عن الشأن العام، وضمان حرية الاعتقاد، إلى جانب حرية الإلحاد. أو كما قال حسن الترابي في مقابلة مع قناة الجزيرة يوم 19/12/2010، الساعة الحادية عشرة بتوقيت مكة المكرمة؛ « أن يترك الناس أحرارا لو كان فيهم حزب الله، أو حزب الشيطان. » وهو ما يعني أن « المفكر الإسلامي » حسن الترابي يسوي بين الحزبين. ولعل كاتب المقال يجد له « تأويل حسنا »، كما حاول من قبل مع آرائه الشاذة.

أما الماركسية فهي ترى أن الديانات تعبير عن وعي زائف، يؤدي إلى الاغتراب، حسب فيورباخ، أو هي شكل من أشكال العُصاب عند فريد.. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾،(آل عمران 19) ويقول:﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾،(آل عمران 85). فبأي معنى يكون الإسلام ليبراليا، إلا إذا كان علمانيا، ومن ثم لا يكون هو الإسلام، الذي ارتضاه الله عقيدة وشريعة لعباده، وإنما يصبح تحريفا مثل مسيحية شاوول...

ينتقل الكاتب بعد احتفائه بحوار حنفي والجابري، إلى كيل الشتائم لفقهنا السياسي، فيصفه بالبؤس، موردا أمثلة على ذلك من ضمنها أن بعض فقهائنا يرى عدم جواز رفع الذميين بيوتهم فوق بيوت المسلمين... وينسى الكاتب، في حمأة سخطه على فقهنا السياسي، أن البلدان الأوربية أسقطت المنارة من هندسة المسجد، حتى لا يبدو معلما بارزا في المدن الأوربية، بل إن الكنيسة اليونانية عارضت بشدة بناء مسجد أثينا على طريق المطار بحجة أن القادم إلى المدينة سيقابله المسجد، قبل الكنائس، فألغي المشروع، ولم يتحدث أحد من « المفكرين الإسلاميين، أو السياسيين الإسلاميين » عن بؤس الكنيسة اليونانية، ولا وصف أحد سلطات المدن الأوربية بأن « سقفها واطئ جدا » في مجال الحريات العامة، بمنعها المنارات، ولا المشرعين، الليبراليين جدا، حين فرضوا على المسلمة الأوربية السفور...

يستمر الكاتب في غزله بنظم الغرب، فيقول: « العقد الاجتماعي الجديد [الذي نجم في الغرب] يستلزم مساواة بين المسلم وغير المسلم في الحقوق السياسية والحريات الدينية دون أي استثناء مهما كان. » ينسى الكاتب، مرة أخرى، تلك الهوة السحيقة، التي تفصل، غالبا، بين النصوص، والممارسات الفعلية في الغرب. ألم يحرم ذلك الطفل الفرنسي من الظهور في برنامج تلفزيوني لأن اسمه إٍسلام! اقترحت عليه التلفزة أن ينادوه باسم غير اسمه، وحين رفض، تم حذفه من البرنامج. وآلاف الأوربيين المسلمين لا يجدون وظائف بسبب أسمائهم.

دعك من المسلمين. يكفل القانون الفرنسي، لكل فرنسي، متمتع بحقوقه المدنية، حق الترشح للرئاسة. لكن، حين مارس جوسبان هذا الحق، هزم اليسار من الدورة الأولى، ووصل اليمين المتطرف إلى الدور الثاني، لأول مرة. لقد أراد الناخب الفرنسي، العلماني في عقيدته، الليبرالي في سلوكه، أن يطمئن إلى أن رئيس فرنسا سيكون كاثوليكيا، أما جوسبان، البروتستانتي، فلا ينبغي أن يحظى حتى بنصف فرصة ليكون رئيسا للجمهورية الخامسة!

على الشاطئ الآخر من الأطلسي، لم تنتخب أمريكا، على مدى تاريخها الديمقراطي الطويل، منذ وصل جورج واشنطن إلى الحكم في 30/إبريل عام1789، حتى انتخاب باراك حسين أباما في 20 يناير2009، سوى رئيس كاثوليكي واحد، ثم قتلته: جون فيتجرالد كندي. مقابل 33 رئيسا بروتستانتيا، نجد رئيسا كاثوليكيا واحدا، وهو ما يمثل نسبة 02.27%.

ولعل الكاتب نسي أن باراك أوباما بالغ في إظهار تدينه البروتستانتي، وتسابقت القنوات إلى استضافة مرشده الروحي، كل ذلك لإبعاد شبهة الإسلام عنه، وشبهة الأفرقة هي الأخرى، فقد ربته جدته ناصعة البياض، قوية الإيمان البروتستانتي، أما أبوه المسلم فقد عاد إلى المجهول الذي جاء منه، ونطفة باراك ما تزال أمشاجا...

يفصِّل الكاتب ما يقصده بقوله « دون أي استثناء مهما كان »، فيدعو إلى تجاوز شرط الإسلام في رأس الدولة ذات الأغلبية المسلمة: « وإذا كنا نعذر فقهاء الماضي بضعف التطور الفكري والسياسي للبشرية في عصرهم، وبانطلاقهم من واقع بناء كل الإمبراطوريات على أساس الاشتراك في المعتقد، فلا عذر للفقيه السياسي المسلم اليوم في تقليدهم في هذا، والإلحاح على أن رأس الدولة ذات الأغلبية المسلمة لا يجوز أن يكون إلا مسلما. »

ينطلق الكاتب هنا من قراءة تاريخانية للنص الديني. فإلحاحه على إضافة الأفكار، التي يحاربها إلى « فقهاء الماضي » إيهام للقارئ بأن الأمر يتعلق باجتهاد فقهي مشروط بزمانه، ومكانه، وظروفه الاجتماعية، ولا يستند إلى نص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يخصص أولي الأمر، الذين تجب طاعتهم، بكونهم من المسلمين، حين قال تعالى:﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، (النساء 59) ولم يصرح النبي صلى الله عليه وسلم بخلع ولي الأمر إلا في حالة الكفر الصريح (عن جنادة بن أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو مريض فقلنا: حدثنا أصلحك الله، بحديث ينفع الله به، سمعته من رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: « إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان »)، (صحيح مسلم، حديث1221، وصحيح البخاري 56/07) وقد منع الشارع ولاية الكافر على المسلم، وليس ذلك باجتهاد « فقهاء الماضي ».

يعلل الكاتب « فتواه » تعليلا يتجاهل حقيقة الوقائع، حين يقول:" وإذا كان نظام القيم الإسلامية المتجسدة في قوانين تضبط حركة المجتمع هو الذي يهم الفقيه المسلم المتبصر، فإن نظام القيم والقوانين لم يعد في يد السلطة التنفيذية في الدولة المعاصرة، بل هو في يد المشرعين من أعضاء البرلمانات، وقضاة المحاكم العليا والمحاكم الدستورية."

يردد الكاتب، في هذا النص « أسطورة فصل السلطات » في النظام السياسي الغربي. فمن المعلوم أن السلطة التنفيذية، في الديمقراطيات البرلمانية، لها اليد الطولى على السلطتين البرلمانية، والقضائية. فالسلطة التنفيذية تحل البرلمان متى شاءت، وتعطل عمله في الحالات التي تعدها استثنائية، وليس رئيس الدولة، في النظام الرئاسي مسئولا أمامها، ويملك حق تعطيل قراراتها، كما فعل رؤساء الإدارة الأمريكية مرارا. والسلطة التشريعية خادمة للسلطة التنفيذية لأن غالبيتها تنتمي إلى اللون السياسي الذي تنتمي إليه السلطة التنفيذية. ولا ترجع السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية في الغالب من تصريفها شؤون الحكم.

أما السلطة القضائية فهي تابعة حقيقة للسلطة التنفيذية، إذ يخضع القضاء لسلطة وزير العدل، الذي تعينه السلطة التنفيذية. فرئيس المحكمة الدستورية يعينه الرئيس، والرئيس نفسه هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذي يعين رئيس المحكمة العليا، والادعاء العام تابع للسلطة التنفيذية، وهو ما سمح لبوش الابن بتعيين مدعين عامين من ذوي الميول المحافظة.

إن القول إن « نظام القيم والقوانين لم يعد في يد السلطة التنفيذية في الدولة المعاصرة... » قول يتجاوز النصوص، ويتجاهل الوقائع. ويكفينا مثالا لدحض هذا القول، ما فعله كارلوس منعم في الأرجنتين. فقد كان دستورها ينص على أن رئيس الدولة ينبغي أن يكون مسيحيا. فاضطر منعم للارتداد عن الإسلام، ليصبح رئيسا، لكنه استطاع تغيير تلك المادة لتصبح رئاسة الأرجنتين متاحة لغير المسيحيين، ولم تعطل السلطة التشريعية، ولا القضائية رغبة المهاجر السوري.

يصل الكاتب إلى بيت القصيد، حين « يعلمن » الدولة الإسلامية:" فالدولة في الإسلام ليست وصية على الدين ولا على المجتمع، وإنما هي أداة في يد المجتمع يخدم بها مصالحه ويحفظ بها قيمه ومنهجه الذي ارتضاه في الحياة، بما في ذلك دينه الواحد أو أديانه المتعددة."

يتجنب الكاتب لفظ « الدولة الإسلامية »، فيستعيض عنه بصياغة عجيبة « الدولة في الإسلام ». هي ليست دولة إسلامية، لكن الإسلام ظرف لها. والشيء يكون ظرفا لمختلف عنه، كالماء في الكأس. فالدولة، في هذه الصياغة « كائن مستقل » يكون في الإسلام، وفي غيره، ومن ثم فإن الظرف لا يحدد وظيفته؛ فالكأس تكون ظرفا للماء المحيي، وللسم القاتل. اتساقا مع هذه الصياغة يجعل الكاتب الدولة، « في الإسلام »، « أداة في يد المجتمع يخدم بها مصالحه [الدنيوية] ويحفظ بها قيمه ومنهجه الذي ارتضاه في الحياة [دون وصاية من الدين]، بما في ذلك دينه الواحد أو أديانه المتعددة. » تلك هي خصائص الدولة العلمانية، سواء كانت « في الإسلام »، أو « الإلحاد ».

لا يكتفي الكاتب بالتركيز على الطابع العلماني ل"الدولة في الإسلام"، وإنما يتجاوز إلى علمنة الشريعة ذاتها:" كما أن الشريعة الإسلامية ليست مجرد قانون، بل هي أوسع من ذلك بكثير، لأنها تشمل جانبين يجب التمييز بينهما: جانب الأخلاق (حقوق الله) التي لا سلطة لأحد عليها غير ضمير الفرد، وجانب القوانين (حقوق العباد) التي تحتاج إلى سلطان الدولة لتطبيقها." نص بروتستانتي بامتياز.

حقوق الله، والعلاقة الفردية معه خاضعة لضمير الفرد، ولا سلطان لكهنوت عليها. أما حقوق العباد فتنظمها الدولة بقوانين وضعية. ذاك اقتباس مباشر من إصلاح مارتن لوثر، وكالفن، يضاف إلى الشريعة لنحسبه من الشريعة، وما هو منها. لا علاقة إذن للدولة في الإسلام، الدولة، التي يحلم بها الإخوان، بأخلاق الناس، ولا بحقوق الله، وكأن الله لم يقل في كتابه العزيز:﴿الذين إن مكاناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾، (الحج 41)، فالصلاة حق الله، والزكاة حق العباد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جانب أخلاقي، ولم يفرق الله بينها، كما فرق الكاتب، وإنما جمعها في آية واحدة... وقد قال صلى الله عليه وسلم، وهو رأس الدولة الإسلامية، متوعدا الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة، (عن أداء حق الله)، « والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء. » (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث رقم 180)، ويقول صلى الله عليه وسلم، في حديث آخر، (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعلا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد.)(صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث رقم 185)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وقد قبض، صلى الله عليه وسلم، وهو يوصي أصحابه:" الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم"، وحين قدم المدينة بدأ ببناء المسجد، ولم يبن متجرا، حيث ينمى الخلق القويم، وتؤدى حقوق الله. وقد أوجب الله على المسلمين جميعا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بنص التنزيل ﴿ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...﴾(آل عمران 104)، وعاب بني إسرائيل بأنهم ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما كانوا يفعلون﴾، (المائدة 79)، وهي المجاهرة بالمعاصي، وعدم تعرض الدولة لأصحابها، لأن ذلك « جانب الأخلاق (حقوق الله)، التي لا سلطة لأحد عليها غير ضمير الفرد »!

لقد مسخ الله تعالى الذين اعتدوا في السبت، والذين اتخذوا منهم موقف شريعة الكاتب العلمانية، فقالوا، للذين أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا﴾، فكان جوابهم: ﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾، فدافعوا عن حق الله، لأن الله أمرهم بذلك، فلما التزموا أمره كافأهم، وعاقب الذين فعلوا السوء، والذين قالوا، كما تقول شريعة الكاتب، إن حقوق الله « لا سلطة لأحد عليها غير ضمير الفرد »! ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيس بما كانوا يفسقون﴾ (الأعراف 164/165). شملت صفة الظلم، والعقاب عليه، الذين اصطادوا يوم السبت، والعلمانيين، الذين يرون المنكر، فلا ينكروه، وإذا أنكره غيرهم أنكروا عليه تدخله في حرية الناس، ودفاعه عن حقوق الله، التي يجب أن توكل، زعموا! لضمير الفرد! وبناء عليه ذهب المعتزلة إلى أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض عين.

تجد هذه التفرقة بين حقوق الله، وحقوق العباد، جذورها في الفكر المسيحي، الذي يجعل الإنسان ابنا لله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)؛ يتنازعه اللاهوت والناسوت، فغلَّب المذهب الكاثوليكي الطبيعة اللاهوتية للإنسان، فطالبه بالتألُّه، فكانت ردة فعل المذهب البروتستانتي تغليب الناسوت على اللاهوت، فأصبحت حقوق الإنسان مقدمة على حقوق الله، ترعاها الدولة، بينما تركت حقوق الله للضمير الفردي يتعامل معها كيف يشاء، إذ لا سلطان لأحد عليه!

أما التصور الإسلامي للعلاقة بين الرب والعبد، فهو مختلف تماما. يقول تعالى:﴿قل إن صلاتي و نسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾،(الأنعام 162/163). فلا تعارض بين حقوق الله، وحقوق العباد، إذ العبد، من محياه، إلى مماته، كله لله، لا يشاركه فيه حزب، ولا تنظيم، ولا طائفة... فهو سبحانه أغنى الشريكين.

يصرح الكاتب، في مقابلة مع جريدة العصر، (نفس المعطيات السابقة) بنفس الفكرة، حين يجعل البرلمان مصدر التشريع:" القيم والعقائد تختلف من مجتمع لآخر. فقد يصوت برلمان دولة أوربية لصالح قانون يبيح عمل قوم لوط، بينما يصوت برلمان دولة مسلمة على قانون يحرم ذلك، وتتم كلتا العمليتين بأسلوب ديمقراطي شفاف رغم تناقض النتائج. فنتيجة الديمقراطية في مجتمع مسلم ستأتي بأحكام الإسلام من دون ريب، ونتائجها في مجتمع غير مسلم ستأتي بغير ذلك، ولا يتوقع منها غير ذلك."

هذا ضرب آخر من التدليس؛ فلا شيء يضمن أن « برلمان دولة مسلمة سيصوت لصالح قانون يمنع عمل قوم لوط »، بدليل أن برلمانات دول مسلمة صوتت لصالح قوانين، مخالفة للشرع بشكل صريح، مثل قانون منع تعدد الزوجات، ومنع وقوع الطلاق إلا بحكم المحكمة، كما صادقت برلمانات دول إسلامية على قوانين تجيز التعامل بالربا، والمتاجرة في الخمور، وتنظيم مهنة البغاء، وقد نادى برلمانيون، ومثقفون مسلمون، منهم موريتانيون، يعرفهم الكاتب، بإلغاء عقوبة الإعدام، المقررة في شرع الله، بنص كتاب الله، وليس باجتهاد « فقهاء الماضي ».

أضف إلى ذلك أن اتباع أوامر الشرع واجتناب نواهيه، يتضمن جانبا تعبديا لا يتم إلا إذا كان خالصا لوجه الله. فحين تحرم دولة إسلامية عمل قوم لوط (أعجب كيف اختار الكاتب هذا المثال!)، لأن البرلمان حرمه، ينتفي من تحريمه الجانب التعبدي، لأن لسان حال الدولة يقول:"ولو أحله البرلمان لأحللناه". والله يقول: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾،(الأحزاب 36) ويقول تعالى:﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت يسلموا تسليما﴾،(النساء 65). نفى الله الإيمان عمن وجد في نفسه حرجا من حكم رسول الله، فما بالك بالذي يعرضه على البرلمان ليقره، أو يرفضه! فمجرد عرضه على مشرع آخر يعني الطعن في شرع الله، وجعله تابعا لشرع بشر.. ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾،(المائدة 50).

ذاك هو تنظير « المفكر الإسلامي »، للدولة في الإسلام، أو الدولة المدنية؛ أشباه ونظائر للدولة العلمانية، التي « هي الأرضية المشتركة التي يمكن أن يتلاقى عليها الإسلاميون والعلمانيون العرب اليوم، بعد أن مهدت الثورات العربية[ بإفك الجزيرة، واستشارة برنار هانري ليفي، وفتاوى القرضاوي، وقنابل النيتو] الأرض لهذا التلاقي. » بين علمانيين، مردوا على العلمانية، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم...

دكتور محمد إسحاق الكنتي


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م