مذكرات الرئيس هيداله .... نقاط استوقفتني

مذكرات الرئيس هيداله .... نقاط استوقفتني

السبت 5 كانون الثاني (يناير) 2013 الساعة 08:57

بقلم : د. عبد الله ولد بيّان

قد يبدو الحديث عن مذكرات السيد الرئيس محمد خونه ولد هيدالة حديثا معادا هذه الأيام، وربما يكون ذلك عائدا إلى صغر حجم الكتاب (حيث يقع في حوالي 200 صفحة، تمكن قراءتها في يوم واحد قراءة متأنية)، كما أن الكثير من القراء عايش الفترة التي تناولها الرجل (أو على الأقل في جزء كبير منها) ولديهم رؤيتهم الخاصة حول تلك الأحداث وبالتالي ربما يودون التعليق على رواية الرجل.

ولذلك سأحاول أن أبتعد - ما أمكن - عن التحليل السياسي أو الدخول في تقييم فترة هي مثار للجدل حتى بين الأطراف الفاعلة في إدارتها؛ لأتحدث عن نقاط استوقفتني عند قراءتي لهذا الكتاب، وذلك إما لأنها معلومات جديدة بالنسبة لي (مما يجعلني أتوقع أن تكون كذلك بالنسبة للبعض)، أو لاعتبارها أحداثا ذات دلالة تستدعي تأمل القارئ الكريم:

بدأ الرئيس مذكراته بعنوان « تجربة رئيس مع أطول سجن سياسي في موريتانيا » و مع أن البعض يشكك في صحة هذه « المسلمة » إلا أنها على الأقل غير منصفة لرفاق السلاح من « الفتية » الذين دخلوا السجن مع الرئيس وظلوا معه فيه حتى أُطلق سراحهم بعفو مشترك، فقضوا معه إذن نفس الفترة الزمنية بل ربما فترة أطول منه بقليل، حيث تم القبض عليهم في الساعات الأولى للإنقلاب قبل عودة الرئيس من بوجمبوره. كما ورد في تقديم المحرر أن الرجل « لبث في السجن أربع سنين بالتمام والكمال، بين 12/12/18984 و 12/12/1988 » وأنها « مدة مساوية - أو تزيد أسابيع - للمدة التي أمضاها في الرئاسة من 4/1/1980 إلى: 12/12/1984 بينما تزيد الفترة الأخيرة على مدة السجن بما يقارب السنة! ولئن كان الخطأ هنا شكليا وغير مقصود ومراجعته - ربما - ليست من مسؤولية صاحب الكتاب، إلا أنه وقع - من باب المفارقة - في تقديم مذكرات من لا يزال المدافعون عن كفاءته العلمية يردون بالقول: إنه »ثاني اثنين" حصلا على أول باكلوريا رياضيات في موريتانيا (الرجل الثاني هو الوزير المرحوم إسحاق ولد الراجل),

علق ولد هيدالة على إعلان محمد ولد اباه (كادير) - من السنغال - الإنشقاق عن النظام الحاكم 1979 فقال: « ولما وصلتنا الأخبار اجتمعت اللجنة (العسكرية) لدراستها و قررت أن تصدر بيانا يتهم كادير بأن سبب هروبه هو وجود ملفات فساد ضده و قد صدر البيان بالفعل »! فتلكم هي إذن تهمة الفساد - كانت و لا تزال - جاهزة لمن يخرج عن طاعة سيد القصر، يقول له كن مفسدا فيكون.

إستوقفني كذلك أن الرئيس هيداله لم يتعرض لحادث سقوط طائرة رئيس الوزراء أحمد ولد بوسيف بشيء من التفصيل واكتفى بالإشارة إلى ذلك ب « سفر بوسيف » ومرة أخرى ب « تعرضه لحادث عرضي » وخاصة أن هذه الحادثة أثرت على المسار السياسي - حينها - بشكل كبير وأن هناك أطرافا اتهمت هيداله ومجموعته في « الخلاص الوطني » بدور فيها. كما أن هناك « حادثا » آخر لا يقل أهمية هو حادث وفاة شخصية الجيش القوية - في ذلك الوقت - الرائد جدو ولد السالك، وهو ما لم يتعرض له هيداله تصريحا ولا تلميحا في مذكراته، بل لم يأت بأي ذكر للرجل في الأحداث التي أعقبت تحضير و تنفيذ الانقلاب على النظام المدني 1978

ظل التدخل الفرنسي في الشؤون الموريتانية سافرا بعد « نهاية الإستعمار » وخاصة فيما يتعلق بالمجال العسكري وإدارة البلد، وقد وثّق الرجل ذلك بشكل واضح ودلائله منثورة في هذا الكتاب بشكل كبير. ومن ذلك مثلا ما ذكر عن قيام أحد الضباط الفرنسيين « المستشارين العسكريين » بإرسال وحدة عسكرية بقيادة اعلي ولد محمد فال من أطار إلى ازويرات - بدون علم القائد العسكري لمدينة ازويرات (هيداله) - وذلك عندما وصلت المستشار معلومات « مضللة » عن تحرك الصحراويين داخل موريتانيا أثناء الحرب ص 70,

ذكر ولد هيدالة أنه خلال زيارته للرئيس الراحل المختار ولد داداه أيام سجن الأخير في ولاته أخبره أن الرئيس هوفييت بونييه « كان قد وعده بمعونات غذائية لموريتانيا إذا حل موسم الحصاد في بلاده »، و طلب منهم (حكام انواكشوط الجدد) أن يذكّروا بونييه بهذا الوعد ويقولون له إن ولد داداه يطلب منه أن يُسلّمه لهم، وهذه الحادثة - وأخواتها كثيرة - في الحقيقة تدل على مدى تعلق الرجل بهذا الوطن و بِبِنائه حتى وهو يعاني قساوة السجن و مرارة « غدر » الأقربين.

رغم أن قبول أي منصب و الإستعداد لتحمل مسؤولياته - قبل تعيين الموظفين الجدد - يفترض أن يكون من أبجديات العمل الإداري وخاصة في الوظائف السامية كالوزارات، و لكن تعالوا معي لنقرأ هذه الفقرة من حكم العسكر: « ومع أني [هيداله] أجزم بأننا لم نناقش تعيينه [وزير النقل آنذاك دفا بكاري] مع حركته [MND] فإنني لا أتذكر هل عرضناه عليه شخصيا قبل إقراره أم أننا أعلنا تعيينه دون إعلامه لأن ذلك كان هو الطريقة المتبعة في تعيين الوزراء فلم يكونوا يعلمون بالأمر إلا من خلال الإعلام »! ص 135... أترك لكم التعليق.

ذكر الرئيس الراحل المختار ولد داداه في مذكراته « موريتانيا .. رهان التحديات الكبرى » أنه استغرب وهو في السجن وجود شخصيات عديدة من معاونيه السابقين في حملات « الدعاية » التي كان يستمع إليها من خلال الإذاعة ضد نظام حكمه، وقد ذكر الرئيس هيداله الشيء نفسه وتحدث عن سماعه لتلك « الحملة الشرسة » وهو في سجن اجريده، وأن تلك الحملات أساءته كثيرا إلى درجة أنه أرسل رسالة هدد فيها « بالإضراب عن الطعام » إن لم تتوقف. والغريب أن بعض تلك الشخصيات - ربما - لا يزال في المحيط الضيق للقصر إلى اليوم وربما يكون طرفا في حملات دعاية أي حكم جديد في المستقبل القريب.

ترك ولد هيداله الحكم وراتب رئيس الدولة 80 ألف أوقية، وتركه وريث ولد هيداله و قد بلغ حوالي سبعة ملايين أوقية؛ مشكلا بذلك أكبر راتب معلن لرئيس دولة عربية. و هو الراتب الذي حافظ عليه كل من أتى بعده من الرؤساء بمن فيهم « رئيس الفقراء »، بل يعتقد البعض أن منهم من أضاف إلى ذلك مداخيل عمولات الصفقات الكبيرة وعائدات الأقارب والنافذين من تسهيل معاملات « دخَّل شي ».

لا يخطئ المتتبع لتاريخ الممارسة السياسة في البلد ضعف مستوى المشاركة النسائية في العقود الأولى من الإستقلال ، و يكفي هنا أن نشير إلى أن المجلس الإستشاري الوطني المشكل سنة 1979 (عشرين سنة بعد الإستقلال تقريبا) و الذي يضم حوالي مائة « إستشاري » مدني من أبرز الأطر الموريتانية في ذلك الوقت لم يكن من بين أفراده أية شخصية وطنية نسائية ص 176 - 179.

و في الأخير تبقى الملاحظة الأبرز حول هذه المذكرات هي غياب الحديث عن « المحيط » الموازي للأحداث، و خاصة في فترة نشأة الرجل حيث لم يتعرض للظروف المجتمعية التي تربى فيها ولم يذكر للقارئ الموريتاني أو الأجنبي جوانب مهمة من حياة مجتمع شهد الكثير من التغيرات بشكل متسارع. فجاءت الأحداث جافة و مضغوطة بشكل كبير، حيث كُتبت فيها ستّون سنة من حياة الرجل في ما لا يصل إلى مائتي صفحة. و بذلك كان أهم غائب عن هذه المذكرات حياة ولد هيداله الإنسان و البيئة و الشخصيات التي أثرت فيه، و ذلك إذا ما استثنينا طبعا الحياة الوظيفية وجانبا من فترة الدراسة. وهنا قد يُفاجأ القارئ الكريم مثلا بأن الرجل تحدث عن زواجه و"قصته" وعن مجيء الأولاد (الذين هم ستة ولله الحمد) و الظروف المحيطة بذلك كله في حوالي صفحة واحدة من كتابه! و رغم أن الصيغة التي أورد بها ولد هيداله أسباب و قصة الزواج لا تخلو من بعض برودة المشاعر إلا أنه كتب في نهاية الحديث عن الأسرة كلمات لزوجته الكريمة تحوى الكثير من الحب و الوفاء والإحترام و خاصة إذا تذكرنا أنها صادرة من أحد رجالاتنا ذوي الطبيعة الصحراوية: « وهذه المرحلة بالذات [مرحلة السجن] لا يمكن إلا أن أخصها بالذكر، إذ تحمّلت لالَّة وحيدة مسؤولية تربية الأبناء و توفير متطلباتهم، خاصة أنني لما اعتقلت لم يكن لدي مال ولا منزل، فلم يكن أمام زوجتي إلا البدء من الصفر، لدرجة أنها بعد أن أخرجت من القصر سكنت في »كزرة" من القصدير (بركه) في توجنين."

د. عبد الله ولد بيّان


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م