في تأبين فقيد الوطن المرحوم المصطفى ولد محمد السالك

في تأبين فقيد الوطن المرحوم المصطفى ولد محمد السالك

الاثنين 24 كانون الأول (ديسمبر) 2012 الساعة 17:01

بقلم : محمد الأمين ولد لمات

بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى: « وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المفلحون » صدق الله العظيم .

بعد رحيله الذي كان مؤمنا به إلى جوار المولى عز وجل، رحيله الذي يتأهب له في كل زمان ومكان، ويخطط وفق مقتضياته، أردت أن أدلي بدلو ولو صغير في كلمة تأبينية لفقيد الوطن المرحوم الرئيس السابق المصطفى ولد محمد السالك. مع علمي أولا و آخرا أن ما تحمله هذه السطور لا يمثل سوى غيض من فيض، فوالله لو اجتهدت السنين تلو السنين لعد مناقبه وكل ما حباه الله به من سمات أهل الخير لما استطعت لذلك سبيلا. والله على ما أقول شهيد.

المرحوم المصطفى ولد محمد السالك من أوائل كبار الضباط في الجيش الوطني، واحد قادته البارزين، عُرف بأنه قائد شجاع، وإداري محنك، كما عُرف بالاستقامة والصرامة في ممارسته لمهامه سواء منها العسكرية أيام خدمته في القوات المسلحة، أو المدنية حينما كان واليا على ولايات متفرقة من الوطن أو على رأس مؤسسات ووظائف مدنية أخرى، ويكفيه شرفا ووطنية وشجاعة انه لما أحس أن المخاطر بدأت تحدق بالبلاد جراء استمرار حرب الصحراء، وان إيقاف تلك الحرب يتطلب منه أن يكون في موقع القيادة، قرر رفقة زملائه من قادة المؤسسة العسكرية حينها الإطاحة بنظام أول رئيس مدني المرحوم المختار ولد داداه في انقلاب ابيض لم تسيل فيه قطرة دم، متمكنا في ظرف وجيز من إيقاف حرب كادت رحاها أن لا تبقي ولا تذر، وبما أن هدفه الأسمى ولم يكن مختزلا في امتطاء مقاليد السلطة قرر أن يستقيل منها عندما تأكد فعلا أن رفاقه لا يريدون إرساء الديمقراطية والمساواة في ربوع هذا الوطن، ويرضون بوأد المبادئ النبيلة التي جاؤوا من اجل تحقيقها.

ولما استقال من السلطة عاش في رغد، مكتفيا من أمور هذه الدنيا الفانية بالقليل رغم انه تبوأ أعلى الرتب في هذا الوطن، وكان بإمكانه أن يملك القصور، والأسواق والمؤسسات، والسيارات الفاخرة، لكن مخافة الله وحده كانت كفيلة بان تجعل من المرحوم شخصا زاهدا لا تستهويه الدنيا ولو جاءت إليه بحذافيرها أن يأخذ منها مثقال ذرة لا تحق له شرعا.

لقد كان المغفور له مثالا يحتذى به في التدين، والورع، والاستقامة، وسمو الأخلاق، والصدق، والأمانة، الطيب، والرفعة، والتواضع، والكرم، والسخاء والشجاعة، والحنكة، والفطنة، وكان هادئا بشوشا، صموتا لا يتكلم إلا فيما ينفع العباد والبلاد، وكانت مجالسه لا تمل، و في رفقته راحة للنفس، وراحة للجسم، و راحة للقلب، وشفاء من كل داء، يعطف على الصغير، ويحترم الكبير، ويصلح ذات البين.

ظل طوال حياته فاتحا قلبه للجميع، وبيته للجميع، وسياراته وكل ما يملكه من أمور الدنيا ملك للجميع، وكان مربيا فذا، ومعلما مخلصا، ومرشدا ناصحا، متحليا بكل صفات المؤمن الحق الذي يحب للغير ما يحبه لنفسه، في أحضان بيته الموقر وتحت رعايته بكل ما في الكلمة من معنى درست وتخرجت عناصر من خيرة الكوادر الوطنية اليوم، وحصلت على أعلى الشهادات والمراتب سواء من أبنائه، أو أبناء عمومته، أو عشيرته، وغيرهم كثير. أدام الله نعمه وصحته على جميع. كان رحمه الله عونا للضعفاء، وسندا للفقراء والمحتاجين من الأرامل والأطفال، يعطى الظهر لمن لا ظهر له، ويعطى ويتصدق من حر ماله الطاهر في السر والعلن، يوزع الأضاحي على المعسرين، ويخرج الزكاة إلى مصرفيها لحظة حلولها، ويدخل الفرحة والسرور على كل بيت من بيوت مجتمعه مع حلول كل مناسبة دينية كانت أو اجتماعية، ولم يظهر يوما لأحد من هؤلاء انه يفعل ذلك رياء أو ليمن به على أحد لأنه كان من « الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ». وكان أول من يتعهد المرضى، وأول المعزين، ويقطع من اجل ذلك المسافات الطوال متحملا عناء السفر رغم شدة الحر والبرد أحيانا غير عابئ إلا بما يمليه شرع الله وسنة رسوله، يراقب الوقت حتى لا يؤخر الصلاة عن وقتها، يستبق الوضوء على الوضوء، يرتاد المساجد في الظلم، ويرتل القرءان أناء الليل وأطراف النهار .

لقد آثر المرحوم الخيمة على القصر والحصير على الزرابي، فكان أكثر ما يكون مقيما في مسقط رأسه بقريته الوادعة شمال شرق مدينة كيفه حاملا بطيب نفس هموم مجموعته وجالسا بين إخوانه وأبنائه واحبائه عوضه الله أهلا خيرا منهم، وجالسا كذلك حيث كان والداه وأقرباؤه من الأعمام والأخوال الذين أبرهم واجتهد في أداء حقوقهم عليه وعليهم رحمة الله جميعا.ظل هكذا إلى أن اختاره الله لمعيته مساء الثلاثاء في 18 دجمبر سنة 2012 بعد أسابيع قليلة من بدء رحلته العلاجية إلى باريس، لكن في رحلة هذه المرة إلى الرفيق الأعلى بإذنه وجنة الفردوس مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وقد شاء الله أن يتأخر وصول جثمانه الطاهر من الديار الفرنسية حتى لا تقام عليه الصلاة إلا في يوم الجمعة حيث تعج المساجد بجموع المصلين وأهل الخير والفضل، مع أن أهل الوطن جميعا قائدا وحكومة وشعبا كانوا على أتم الاستعداد لاستقبال فقيد الوطن و تشييعه والصلاة عليه في أي وقت، لا لشيء سواء أنه الرجل الذي خدم موريتانيا وكافح من أجل بنائها بإخلاص، وسجن من أجلها ظلما، والرجل الذي لا احد يعلم عليه من سوء، ليتم نقله بعد لحظات من ذلك المشهد المهيب إلى مدفن ذويه حيث أوصى ويوصي دائما بقرية أدمب الشارب بمنطقة آمرجل على بعد سبعين كيلومترا شمال شرق مدينة كيفه.

تغمد الله فقيد الوطن بواسع رحمته، وطيب ثراه وأكرم مثواه، وادخله فسيح جناته، وألهمنا الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد الأمين ولد لمات


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م