رصاصة الرئيس والقراءة المتأنية

رصاصة الرئيس والقراءة المتأنية

الأحد 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2012 الساعة 17:13

بقلم : ابراهيم ولد أبكر

لقد أصبح من شبه المسلم به أن الرصاصة التي أصابت رئيس الجمهورية كانت خطأ وذلك للإعتبارات التالية:

أن الإجراءات الأمنية التي أعقبتها كانت عادية ولا توحي بشبهة جنائية خارج فلك النظام الشيء الذي أغلق الباب أمام الشائعات حيث لم يكن لأي منها صدى يذكر وبالتالي ظلت الأمور تحت السيطرة دون بذل جهد مادي على أرض الجمهورية، إلا ما كان من روتين الحياة العادي رغم تشكيك البعض في صدقية الرواية الرسمية.

أن القاعدة وبالرغم من مرور أسبوع على الحادث لم تصدر أي بيان تتبنى فيه العملية بالرغم من أنها إن فعلت سوف يصدقها السواد الأعظم من الناس مما يعطي مصداقية لحجة النظام القائل بكونها نيرانا صديقة.

أن وسائل الإعلام المحلية منها والدولية لم تجد في الحدث مادة دسمة كما اعتادته في مثل هذه الحالات وبالتالي سادت قناعة مفادها أن الحادث طبيعي ولا شبهة فيه تستدعي الإستكاه والتتبع إذ لا خيط يربط الحادث بالسياسة ولا آخر يربطه بالإرهاب ،أما الإنقلابات وهي الإحتمال المتبقي فليس هذا من أساليبها المتبعة في موريتانيا.

أن شجاعة الرجل ساهمت إلى حد كبير في بقاء الأمور عادية إذ لم يقبل من مساعديه الأمنيين أي ردة فعل حادة وهو الذي ينزف دما وقد حل ضيفا على غرفة العمليات لأكثر من أربع ساعات تحت رحمة المسعفين، فتحية له على على التأني والبعد عن الفسق بالنبأ.

أما عن الدروس المستخلصة من هذه الحادثة فستكون ذا دلالات عميقة وستترتب عليها النتائج التالية:

هيبة القوات المسلحة وقوات الأمن بصفة عامة بحيث تبقى أوامرها محل احترام الجميع إذ لا نجاة لمخالف تعليماتها أيا كان ومهما كان على أرض الجمهورية،ومن شأن ذلك رفع معنويات رجال العين الساهرة الذين اعتادوا التوبيخ والعقاب وحتى الفصل بسبب هكذا حادثة.

التخلص من رئيس أبرتوكول القصر وبعض أفراد الحرس الشخصي للرئيس إذ لو قام هؤلاء بعملهم بالشكل الصحيح لما حدثت حادثة من هذا النوع على الإطلاق، فالأعراف تقضي بتحكم أبروتوكول في الرئيس والعكس ليس صحيحا، لذا يبقى التقصير سيد الموقف وبالتالي يجب إنزال العقوبة بالمقصرين.

التفكير الجاد لملئ الفراغ الدستوري القائم في مثل هذه الحالة، إذ الأجدى والأصلح استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، وذلك بإحدى الطريقتين التاليتين:

1- أن يتم تطبيق الطريقة الآمركية في هذا الصدد حيث يترشح الرئيس ونائبه وبالتالي يبق النائب لصيقا بالمنوب عنه ويصبح رئيسا حين يعجز الرئيس عن أداء وظيفته، لكن حسب ترتيبات يضعها المشرع حسب ما يراه مناسبا.

2- أو أن يكون الحاصل على النسبة الثانية من الأصوات في الإنتخابات نائبا للرئيس . أما أن يبق المنصب شاغرا وفي عهدة أكثر من جهة فهي مجازفة خطيرة قد تتجاوز هد الإرتباك ولا تقف عند حاجز التفكك وانفراط العقد لا قدر الله،فمنصب الرئيس بحكم حساسيته وأهميته الدستورية ليس كأي منصب من المناصب السياسية الأخرى،إذ لا يتحمل الشغور فهو الكل في الكل وبالتالي يجب العمل على سد هذا الفراغ قبل فوات الأوان.

أما على الصعيد السياسي فقد مكنت الحادثة من القراءات التالية:

أن العلاقات الموريتانية الفرنسية جيدة عكس ما يظنه البعض بعد نجاح أولا ند وانصراف ساركوزي، إذ المصالح هي التي تصوغ العلاقات ولا عبرة بيمينية عمر ولا بيسارية زيد، وقد تجلى ذلك في توجه موريتانيا إلى فرنسا حين طلب النجدة الطبية واستجابة فرنسا الفورية حين الطلب،حيث أرسلت طائرة طبية قامت بنقل الرئيس بعيد العملية الجراحية في المستشفى العسكري.

أن حرص الرئيس على الظهور في مقابلته الأولى صبيحة الحادث كان لها الأثر الإجابي في نفوس مواطنيه بما فيها معارضوه، وقد بعث برسائل إقليمية وعربية ودولية مفادها أن الرجل ممسكن بزمام أمور البلد كما لو كان صحيحا وبالتالي يجب أن تسير الأمور وفق الأعراف الإعتيادية،وبالتالي انهال زعماء العالم بالتهنئة لنجاة السيد الرئيس وتمنى الكل الشفاء له بعد ما اقتنع الجميع أن الأمر خال من شبهة الإنقلابات.

أن جميع الطيف السياسي قد التف حول الرئيس في محنته، فقد أجلت منسقيه المعارضة الكثير من نشاطاتها بسبب الحادثة وظلت متابعة حالته شغلا شاغلا مع أنه ثمة من تململ لشغور المنصب مؤقتا ومن غموض حادثة إطلاق النار على الرئيس رغم تصريحات وزير الإتصال.

أما بخصوص المؤتمر الصحفي والذي عقده حزب الإتحاد من أجل الجمهورية بعد نقل الرئيس إلى فرنسا فلم يكن له من دلالة سوى إيهام الرأي العام أن الرئيس بخير وأن الأمور تسير على مايرام، إذ من غير المنطقي أن يدعو الحزب إلى إجراء الانتخابات مدعيا نضوج الظرف لإجرائها والسيد الرئيس في خطر، الشيء الذي فسره المراقبون تظاهرا زائفا لا يعكس الحقيقة بقدر ما يعطي انطباعا ولو مؤقتا أن الحزب مستقل في اتخاذ قراراته متى شاء وحيث شاء، لكن ذلك يبقى مثار تساؤل من طرف الأطياف السياسية الأخرى.

ومهما يكن فإن المراقب للشأن السياسي لن يرى في الرصاصة جديدا يحرك المياه الراكدة بين فرقاء السياسة لكنها قد تلقي بظلالها على الموالين أكثر من المعارضين،فقد تكون قراءة النظام لمواقف الموالين ليلة الحادث وسيلة لزحزحة أوجه ظلت متصدرة المشهد الموالي على مدى السنوات الثلاثة الماضية.

ابراهيم ولد أبكر


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م