موريتانيا إلى أين: أربعة عناوين للمرحلة القادمة...

موريتانيا إلى أين: أربعة عناوين للمرحلة القادمة...

الثلاثاء 10 تموز (يوليو) 2012 الساعة 10:57

بقلم : محفوظ الحنفي

الأزمة الموريتانية:سبيل واحد نحو الانفراج أو نحو الانفجار!!

لا شك أن موريتانيا مقبلة على مرحلة جديدة من تطورات وضعها الداخلي باتجاه الانفجار أو باتجاه الانفراج؛ بعد شهور من التصعيد في الصراع المحتدم بين النظام ومنسقية أحزاب المعارضة الديموقراطية، على خلفية إعلان « المعارضة المقاطعة » عزمها فرض رحيل الرئيس محمد ولد عبد العزيز عن السلطة، وعدم قبولها لأي تسوية يقصر سقفها دون تحقيق هدف الرحيل أو « الترحيل ».

ورغم حرص قادة منسقية المعارضة على التأكيد في كل مناسبة على سلمية السبيل الذي ينوون اتباعه من أجل الوصول للهدف الكبير الذي حددوه لنضالهم السياسي في هذه المرحلة، إلا أن مفهوم « الرحيل » كان وحده كافيا لإثارة جملة من التوترات والمخاوف السياسية؛ وحتى الاجتماعية من طبيعة المسارات التي قد يتخذها شكل الصراع السياسي وما يمكن أن تقود إليه من أحداث وتداعيات غير محمودة العواقب على مستوى الاستقرار والسكينة والأمن العام في بلد تتسم مختلف أوضاعه بالهشاشة وعدم القدرة على امتصاص الصدمات والهزات القوية التي زلزلت أوضاع عدة بلدان عربية منذ اندلاع ما عرف بموجة « الربيع العربي »، والتي كانت كلمة السر وثقاب الشرارة المحرقة فيها جميعا هي تلك العبارة المزلزلة : ارحل"...

ولم تكن « علبة » المبادرات التي تقدم بها عدة فاعلين سياسيين لإيجاد مخارج من الوضع الراهن، ترفا سياسيا أو مناورات تكتيكية كالتي تعودنا عليها من نخبنا السياسية؛ بقدر ما كانت تعبيرا واقعيا عن جدية مشاعر القلق التي استبدت بالكثيرين جراء استمرار حالات التصعيد والاستقطاب وتصدع جدار الثقة بين مختلف الفرقاء السياسيين، وعجزهم جميعا عن استشعار حقيقة وحجم المسؤوليات الملقاة على عواتقهم اتجاه مصالح هذا البلد وأمنه واستقراره. ويبدو أن مختلف المبادرات قد تحولت إلى مجرد روافد لمبادرة الرئيس مسعود التي تشرأب الأعناق حاليا لمعرفة مآلاتها ومستوى التجاوب معها؛ وسط سيل من التسريبات عن توجه منسقية المعارضة لرفضها بأسلوب وصف ب"الدبلوماسي" والمجامل لرئيس الجمعية الوطنية.

ونعتقد أن ثمة أربعة مستجدات وعناوين بارزة يمكن البحث في ثناياها ودلالاتها لاستشراف ما يمكن أن يحمله مقبل الأيام من تطورات ذات صلة بموضوع الصراع السياسي القائم الآن:

أولا: عودة الرئيس محمد ولد مولود

لا شك أن غياب « عقل سياسي » فريد من طراز رئيس حزب « تقدم » الأستاذ محمد ولد مولود عن الفعل السياسي الوطني المعارض لفترة طويلة كان له أثره على مستوى الأداء السياسي والتكتيكي للمعارضة الموريتانية، كما لا شك أن عودته سيكون لها تأثيرها وأثرها على مختلف المواقف والقرارات المتوقع اتخاذها من قبل قادة المنسقية خلال الأيام القادمة.

لقد كان رفع المعارضة لمطلب « الرحيل » بمثابة الخطأ الجسيم الذي ما كان للمعارضة أن تقع فيه لو كان ولد مولودا حاضرا وقت اتخاذه؛ حيث إن المعارضة برفعها لهذا المطلب قد وقعت في خلط كبير بين المواقف التكتيكية والقرارات الاستراتيجية ؛ إذ لا يمكن أن يكون مثل هذا الهدف إلا هدفا استراتيجيا يستلزم خوض جملة معارك تكتيكية بأدوات اللعبة الديموقراطية التي تتبناها هذه القوى؛ وذلك من خلال عمل دعائي وتعبوي يسمح ب"ترحيل" النظام بقرار صريح وشفاف من « صناديق الاقتراع »..

وربما تكون المعارضة إنما اختارت رفع هذا المطلب غير الواقعي، وحددت ذلك الهدف العصي؛ لاعتبارات تكتيكية فقط تستهدف الضغط على النظام سياسيا ونفسيا خدمة لأهداف سياسية واقعية غير معلنة؛ غير أنها بذلك ستوقع نفسها في حرج شديد يوم تقرر التراجع عن هذا المطلب والقبول بالتعامل مع النظام وفق محددات الديموقراطية واشتراطات القواعد القانونية والأطر الدستورية؛ حيث سيشكل ذلك صدمة قاسية وخيبة كبيرة لأنصارها ممن توهموا واقعية وجدية المعارضة في سعيها من أجل فرض تحققه!!.

وسيكون ولد مولود بذكائه وحنكته وواقعيته وبراغماتيته، مطالبا بالبحث عن مخرج لزملائه من الورطة التي جرهم إليها التسرع في إعلان الأهداف، والشاعرية المفرطة في رفع الشعارات!!

ونعتقد أن ولد مولود سيجد في ساحة المنسقية واقعا ومؤشرات عدة تساعده في ذلك؛ حيث أظهرت المواقف الأخيرة لقادة المعارضة ما يمكن فهمه على أنه رغبة واضحة في التخلي عن مطلب الرحيل، وإن كانت الطريقة المثلى والمعقولة لإنجاز هذا التحول ما زالت غير متاحة، وهو ما سيكون على محمد ولد مولود المساهمة في الكشف عنه.

ثانيا: تجميد نشاط المنسقية: أي دلالات...

لقد أعلنت منسقية المعارضة الديموقراطية تعليق نشاطاتها الاحتجاجية لحين انتهاء العطلة الصيفية؛ متعللة في ذلك بظروف فصل الصيف الحارة، وترك الطلاب والتلاميذ للمدارس والمؤسسات التعليمية التي أغلقت أبوابها بمناسبة عطلة الصيف!!

ولا تخفى غرابة الحجتين اللتين اتخذتهما المعارضة مبررا لتعليق احتجاجاتها؛ إذ كيف لقادة هذه المعارضة الذين يتغنون بشهداء « الربيع العربي » و"الحريق العربي"، أن يشفقوا على أنفسهم من لفحات حر الصيف؛ في الوقت الذي يبشرون فيه الناس بربيع موريتاني وثورة شعبية تعصف ب"نظام الجنرالات"؟!!

أما العطلة الصفية فالكل يعلم أنها تخلق الظروف المناسبة لتصعيد الاحتجاجات وليس لتعليقها؛ حيث يفترض أن تشكل السنة الدراسية قيدا على الطلاب والتلاميذ بسبب انشغالهم بتأدية واجباتهم الوطنية والأخلاقية في التحصيل العلمي داخل الفصول أوقات الدوام، أو المراجعة المنزلية والبحث العلمي خارج تلك الأوقات.. ولن يجد هؤلاء الطلاب وقتا أنسب ل"النضال" والعمل السياسي والنزول للشارع من ظروف العطلة الصيفية.

إن ضعف المبررات التي ساقتها المعارضة لتبرير تعليق نشاطها الاحتجاجي يجعلنا مضطرين للبحث عن أسباب أخرى غير معلنة، وهنا لا يمكن أن نتجاهل فرضية أن يكون هذا التعليق مجرد رسالة إيجابية موجهة للنظام، أو هي نوع من التعاطي الإيجابي مع مبادرة الرئيس مسعود، ومحاولة من قادة المعارضة للمساعدة في تلطيف الأجواء وإعطاء الفرصة للمبادرة كي يدرسها الفرقاء في أجواء أقل شحنا وسخونة.

كما أنه لا يجوز استبعاد أن يكون هذا التعليق هو استجابة لمقتضيات تقييم داخلي قامت به المنسقية لأدائها الاحتجاجي خلال الشهور الماضية، وخلصت من خلاله إلى ضرورة تغيير خياراتها وتكتيكاتها وشعاراتها المرفوعة؛ تكيفا مع وعيها المتزايد باستحالة وصولها لهدفها المعلن بالارتكاز على محاولات تثوير الشارع وتفجير انتفاضة أو ثورة شعبية داخله..

ويشجعنا على مثل هذه القراءة تصريحات الرئيس محمد جميل منصور في برنامج « في العمق » والذي بدا فيه شديد الحرص على الظهور بمظهر السياسي وزعيم الحزب الذي لا يريد تجاوز ضوابط وقواعد الممارسة السياسية للأحزاب التي تعمل وفق القانون والضوابط الدستورية.

ثالثا: صمت عزيز.. ماذا وراءه؟

لم يصدر عن الرئيس محمد ولد عبد العزيز حتى الآن ما يمكن أن يعطينا فكرة واضحة عن موقفه من المبادرات المطروحة في الساحة وفي مقدمتها مبادرة الرئيس مسعود، سوى ما يروج من تخمينات صحفية تقول برفضه لهذه المبادرة، وانزعاجه منها، والنظر إليها على أنها لا تعنيه في شيء..

ورغم أن أهم هذه التخمينات بنيت على ما وصف بتسريبات من مضمون لقاء جمع ولد عبد العزيز ببيجل ولد هميد، ورغم نفي هذا الأخير لمضمون تلك التسريبات جملة وتفصيلا؛ إلا أن قادة « المعارضة المقاطعة » يميلون لتصديقها، وقد أعلنوا أكثر من مرة أن العقبة الكأداء التي ستواجه ولد بلخير هي ما وصفوه بتعنت ولد عبد العزيز وتنكره لالتزاماته وعدم وفائه بها حسب رأيهم.ا مؤكدين أن عدم إعلان الرئيس موافقته على المبادرة هو دليل كاف على فشلها، وأن موقف الرئيس هذا سيكون أحد المبررات التي ستعلن بموجبها المنسقية (قريبا) عن رفض المبادرة مع كامل التقدير لمقدمها الرئيس مسعود؛ حسب بعض التسريبات المتداولة والتي لم تتأكد صحتها بعد.

ولا شك أن قادة المنسقية قد وقعوا في خطأ سياسي ومنهجي آخر بدعوتهم عزيز لإعلان موقفه صراحة من مبادرة رئيس الجمعية الوطنية؛ لأن تقييم مواقف مختلف الأطراف من تلك المبادرة هي مسئولية مسعود ولد بلخير وحده الذي عليه (في نهاية مساعيه) أن يعلن للرأي العام عن النتائج التي توصل إليها، ومدى تجاوب كل طرف معه، والثناء على كل الأطراف إذا نجح، والكشف عمن يتحمل مسئولية فشله إذا فشل.

كما أنه يجب أن لا يغيب عن بالنا أن إعلان دعم الرئيس للمبادرة وموافقته عليها قد لا يكون في صالح نجاحها؛ فكما فسر صمته على أنه رفض للمبادرة؛ يمكن لإعلان موافقته عليها أن تفسره بعض الأطراف بما يغمز به البعض صادقا أو مفتريا من أن مسعود إنما يتحرك بإيعاز من عزيز وخدمة لأجنداته، وقد يكون الخوف من مثل هذه التأويلات هو السبب في عدم إعلان موقف النظام من المبادرة لا من قبل عزيز ولا من قبل مسعود.. والله أعلم.

وفي كل الأحوال؛ فإن المفروض في هذه المرحلة هو التكتم على العملية وعدم التسرع في الردود والمواقف وبسطها للتأويلات الإعلامية التي قد تعقد الأمور أكثر مما قد تساعد في حلحلة تعقيداتها..

وبالجملة؛ فإن كل المؤشرات العامة الظاهرة حتى الآن تبشر بأن الأمور تسير في اتجاه التهدئة؛ خصوصا في ظل الحديث عن بدأ سحب بطاقات التعريف الوطنية الجديدة وما قد يستتبعه من قرب إجراءات الانتخابات العامة المؤجلة والتي ستكون مقاطعة المعارضة لها أمرا مستبعدا نظرا لضعف الأداء السياسي لسلاح المقاطعة، كما أن مشاركتها ستجعل قدرتها على مواصلة الدعوة لرحيل النظام جد محدودة؛ إما بسبب عجزها عن تحقيق مكاسب معتبرة في تلك الانتخابات وهو ما سيؤثر في قدرتها على التأثير في الشارع وتحريكه، وإما بسبب تحقيقها لمكاسب ذات قيمة وهو ما سيجعل خيار « ترحيل » النظام عن طريق الانتخابات أكثر إقناعا ومصداقية.

ومع ذلك فإن ثمة مؤشرات أخرى على سيناريو آخر مثير للقلق؛ قد تكون المعطيات القائمة تنحو حثيثا في اتجاهه..

رابعا: ردود الإسلاميين.. وأبواب التدخلات الخارجية!!

لا يختلف اثنان على حقيقة أن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الإسلامي قد شكل « رأس حربة » في كل النشاط السياسي والميداني الداعي لرحيل النظام، وأن خيارات الإسلاميين التواصليين هي الأكثر حضورا وتأثيرا على طاولة أجندات منسقية المعارضة..

ولقد رأى إسلاميو موريتانيا نظراءهم في عدة بلدان عربية وهم يحققون مكاسب ما كانت لتخطر لهم على بال لولا ما عرف بموجات « الربيع العربي »، ولا شك أنهم حلموا بأن لا يكونوا أقل حظا من نظرائهم في « بركات » هذا الربيع..

نقول ذلك لأننا نعرف كيف ظل حزب « تواصل » يقف بأقدام ثابتة على أرض برزخية ابتدعها لنفسه وسماها أرض « المعارضة الناصحة » محتفظا فيها بشعرتي معاوية مع كل من النظام والمعارضة، إلى أن سارع بقطع شعرته مع النظام وهو يرى الإسلاميين العرب يحققون المكاسب تلوى الأخرى بأفعال وطنية خالصة كما في تونس ومصر، وبأفعال خارجية كليا أو جزئيا كما حدث في ليبيا واليمن ويرجى حدوثه في سوريا أيضا بعد عجز الفعل الوطني عن إسقاط النظام حتى اللحظة.

ولقد حاول الإسلاميون الموريتانيون بالتحالف مع منسقية المعارضة خلال الشهور الماضية إحداث تغيير في النظام السياسي القائم بالارتكاز على « الفعل الوطني الصرف »، لكن دون تحقيق أي تقدم في هذا المسعى.. فهل « يطور » الإسلاميون نضالهم « السلمي » بالبحث عن تدخل خارجي مساعد؟؟

لا نرجوا ذلك، ولكن « الكونفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية » المحسوبة على التيار الإسلامي أصدرت مؤخرا وثيقة ضمنتها موقفها المثمن لمبادرة الرئيس مسعود وشرحت فيها اشتراطاتها لنجاح تلك المبادرة؛ والتي بدأت بالمطالبة بإصلاحات دستورية وجيهة؛ وانتهت بالتأكيد على ضرورة إجراء حوار وطني « تحت إشراف جهات دولية وإقليمية وازنة ومحايدة » (هل حقا أن في هذا العالم قوى محايدة؟)..

وتلك دعوة « بريئة » لإشراك قوى غير بريئة في شأن وطني خالص، لا أحد يستطيع التكهن بما قد تقود إليه حال تحققها!!.

ولنختم بما سبق لنا تأكيده في موضوع سابق من أن « الأطفال وحدهم عندما يختلفون لا تزيدهم محاولات التفاهم إلا خلافا واختلافا ما لم يتدخل الكبار لإصلاح ذات بينهم، وفرض تنازل بعضهم لصالح بعض؛ ترغيبا أو ترهيبا، أو بهما معا.. وتلك قاعدة عامة ربما يكون الاستثناء الوحيد الذي يصححها هو حال »كبار" القادة السياسيين الموريتانيين الذين أثبتت التجارب عجزهم الدائم عن حل خلافاتهم المزمنة إلا بإقصاء بعضهم بعضا، أو بفرض التعايش عليهم بإرادة « كبار » من خارج الميدان الوطني".

وقد برهن قادتنا « الصغار » على صحة هذه القاعدة في اتفاق « داكار »، وما زال العديد من البراهين في الانتظار...

اللهم لا شماتة.. اللهم هل بلغت...

محفوظ الحنفي


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م