العرب وقضية الصحراء الغربية تجاهل أم عجز (مشاركة في ندوة فكرية)

العرب وقضية الصحراء الغربية تجاهل أم عجز (مشاركة في ندوة فكرية)

الأربعاء 13 حزيران (يونيو) 2012 الساعة 16:01

بقلم : سيدي محمد بن مولاي أحمد بن جعفر

ندوة فكرية : « الصحراء الغربية سيناريوهات الحل في ظل التجاهل العربي والتواطؤ الغربي » التي تحتضنها وكالة المغرب العربي للأنباء المستقلة . مشاركة : الكاتب الموريتاني : سيدي محمد بن مولاي أحمد بن جعفر تحت عنوان : «العرب وقضية الصحراء الغربية تجاهل أم عجز»

تطلق الصحراء الغربية على الركن الشمالي الغربي من أرض البيضان[1] وهي عبارة عن إقليم محصور بين الجزائر من الشرق ، والمغرب من الشمال وموريتانيا من الجنوب، والمحيط الأطلسي من الغرب، تتكون ساكنته من شعب البيظان الذي هو بدوره مزيج من صنهاجة وعرب المعقل المندمجين منذ قرون في ما بينهم ، اندماج نتجت عنه عصارة بشرية مميز عن محيطيها العربي والآمازيغي في الشمال والشرق،والزنجي في الجنوب ، وقد ظل هذا الشعب محافظا على استقلاله السياسي بطريقة ملفتة وذلك منذ انفراط عقد دولة المرابطين اللمتونية ، كما ظل ملتزما بقيمه ،متمسكا بتراثه، محتميا بصحرائه التي مكنته من العيش بعيدا عن الحكام المتسلطين حتى مطالع القرن العشرين عندما بدأ الزحف الغربي حيث جاست جحافل فرنسا جنوب وشرق مجال البيضان رغم البطولات التي واجهوا بها الزحف المتفوق عدة وعتادا فتمكنوا من إلحاق ضربات موجعة بالزاحفين ، وكبدوهم خسائر كبيرة قبل أن تتم لهم الغلبة ، ومن ثم تشتيتهم وتفريقهم ،ورسم خرائط تفصل بينهم وفق استراتجيات المحتلين في التحكم في الأمم والشعوب.

زحف الأسبان بدورهم من الشمال والغرب ،ميمين الشواطئ الشرقية للمحيط الأطلسي المواجهة لجزر الخالدات مستفيدين من اتفاق موقع مع فرنسا في 27 من يونيو سنة 1900 ،مكنهم من احتلال الساقية الحمراء وواد الذاهب فأصبحا الجزء الوحيد من أرض البيظان الذي استعمر خارج سياق بقية الصحراء الكبرى،مزق المحتلون بلاد البيظان فشكل جنوبه موريتانيا الحالية التي ضمت اكبر تجمع منهم، وبقى شرقه جسما غريبا غير متجانس مع دولة مالي ، وظل إقليما ثائرا تائها باحثا عن هوية مفقودة بين أغلبية آمازيغية وعربية تشترك في التراث ،وقرون من الاندماج الحضاري في يد حكومة زنجية بحتة ،ووقع الشمال الشرقي في حدود الجزائر، إنه فعلا شر ممزق لشعب عجزت الصحراء الكبرى بطبيعتها القاسية عن وضع حواجز تمنع التواصل بين أفراده وجماعاته.،فرغم الجهود الجماعية والأهداف المشتركة والشعور بوحدة الانتماء التي واجهوا بها الغزاة معا حيث قاتل الصحراويون وأبلوا بلاء حسانا لصد التوسع الفرنسي عن موريتانيا تماما مثل ما شارك أهل آزواد في معارك صد الغزاة تلك والشيء نفسه قام به بيظان تنيدوف، فقد فرض الاستعمار إرادته وفرق الجميع وخضعت كل شعوب المنطقة تحت رايتي فرنسا وإسبانيا .

شهدت كما هو معلوم أواسط أربعينيات القرن الماضي ظهور تحولات كبيرة وعميقة في الوضع الدولي نتيجة الإكراهات الحرب العالمية الثانية، اكراهات كان من نتائجها المباشرة تراجع المد الاستعماري وبروز نواة لخرائط جديدة هُيأ لها بعناية فائقة ضمنت لقوات الاحتلال استمرار الحضور والنفوذ في الأراضي التي كانوا يديرونها بشكل مباشر، تفاوتت المناطق كل حسب خسائر مستعمره،فرنسا المهزومة كليا تركت كل مستعمراتها في القارة الإفريقية في فترات جد متقاربة بداية من سنة 1956 [2]حيث لم تتم سنة 1960 [3]حتى كانت غالبية مستعمراتها خارج السيطرة، وحدها اسبانيا ظلت متمسكة بالصحراء الغربية وكان لذلك أسبابه ودوافعه في الوضع الدولي آنذاك .
في ستينيات القرن الماضي ظهرت دولة البيظان الأولى تحت اسم موريتانيا وهي تسمية تعود للرائد الفرنسي فرانسو كايي.[4]

بظهور موريتانيا للوجد كانت المغرب حديثة العهد بالاستقلال لها أطماعها التوسعية تحت قيادة محمد الخامس[5]فطالبت بضم موريتانيا وساندها عرب المشرق في تلك الفترة ، ورفض المطلب عرب شمال إفريقيا حيث كانت تونس بورقيبة أول بلد يعترف باستقلال موريتانيا،وظلت أطماع المغرب مستمرة ومعلنة إلى غاية 1969 وظل العرب رافضين موريتانيا في جسمهم السياسي إلى غاية 1973 عند ما قبلوا انضمامها إلى الجامعة العربية حيث أصبحوا أمام أمر الواقع [6].

في عام 1975 وفي أحلك ظروف نضال الشعب الصحراوي للتخلص من نير الاستعمار الإسباني كانت مؤامرة تحاك ضده أبطالها من يفترض فيهم مد يد المساعدة، لقد استطاع ملك المغرب الحسن الثاني خداع الرئيس الموريتاني المختار ولد داده، وجره إلى حرب إخوة الدم لتقاسم أرضهم مع العدو المشترك الذي ظل يرفض الاعتراف بموريتانيا وظل يحيك لها المؤامرات ويساند كل طامع فيها ولا يجد فرصة يعبر فيها عن أطماعه تلك إلا واستغلها، خدعة اعترف ولد داداه بها لكن بعد فوات الأوان[7] أي بعد أن شرع للمغرب التواجد على أرض الصحراء بقبوله التقسيم، أرسلت الشقيقة موريتانيا قواتها لتشارك المغرب احتلال الصحراء.

من هنا بدأت محنة الشعب الصحراوي على يد إخوة الدم إثر غلطة من ولد داداه، سببتها خدعة من الحسن الثاني!!.
كان ولد داداه شخصية نافذة إفريقيا ، وكان الأفارقة لا يمانعون في الاعتراف لموريتانيا بأنها والصحراويون شعب واحد، إذا ما قبلوا الاندماج رغم أن منظمة الوحدة الإفريقية واضحة في الالتزام بالحدود الموروثة عن الاستعمار،وظلت نظرتها للمشكلة محكومة في الأساس بذلك البعد فالإقليم بالنسبة لهم ينطبق عليه قانون تصفية الاستعمار والأفارقة بفعل ماضيهم المحزن حساسون من الاستعمار حتى لو كان استعمار بيني كما هو حال الصحراء ، كانت مواقف غالبية الأفارقة مع حق تقرير المصير .

أما العرب فكانوا منهمكين ولو ظاهريا في « الصراع من أجل فلسطين؟ » لا وقت لديهم للحديث عن غيرها ، كانوا مقسمين إلى اتجاهين ، اتجاه يحمل يافطة القومية الطوباوية صاحبة شعارات الوحدة من المحيط إلى الخليج؟ ومن أجل ذلك الشعار لا مجال لدولة جديدة في جسم « الأمة » ويمثل هذا الاتجاه جمهوريات العسكر رفض لاعتراف بالشعب الصحراوي ولو كان المحتل نظاما ملكيا مثل الأنظمة التي أطاحوا هم بها في بلدانهم إنها ازدواجية غريبة في العقل السياسي العربي المعاصر في تعاطيه مع قضية الشعب الصحراوي جديرة بالاهتمام، واتجاه لصيق بسياسة الدول الكبرى همه ينحصر في تنفيذ سياساتها مقابل دفاعها عن استمراره في الحكم ويمثل هذا الاتجاه ممالك النفط وممالك الغنائم ،وحدها الجزائر خرجت عن هذين النسقين في ما يتعلق بقضية الصحراء ودعمت نضال الصحراويين[8] .

هكذا تعامل العرب مع المشكلة، قوميون لا يريدون مزيد تشرذم لوطنهم المجزأ!! وملكيات تديرها عائلات تدار بدورها من طرف الغرب الباحث فقط عن ثروات باطن الأرض وبأقل تكلفة ، ومن سوء حظ الإخوة الصحراويين أن باطن أرضهم يزخر بكل ما يسيل له لعاب شركات الاحتكار حيث ينبغي أن تحكم تلك الأرض وفق استراتجياتهم من طرف من همه استنزافها فقط وليس تعميرها، إضافة إلى شاطئ غض غني مصاغب لموانئ التفريغ الغربية ، تحالفت لعبة الجشع الغربي الطامع في الثروة مع بحث ملوك المغرب عما يبعد عنهم شبح الانقلابات في وطن يعاني من قمع لا نظير له ، وطن لم يستفد سكانه من مجاورة الغرب في الحصول على قسط من الحرية ، ولا على قسط من التنمية ، وطن مختصر في شخص حاكم بإذن الغرب على حساب مصالح بلده.

ليس لافتا غياب الدين في تعاطي العرب مع قضاياهم ، فمن المحزن أن هناك حقيقة لا يريد صناع الرأي العام العربي الحديث عنها صراحة عند ما يتعلق الأمر بالعلاقات العربية العربية ،إنها الدين كعنصر داعم لمعالجة قضاياهم الكبرى ، أجل من المؤسف أن الدين الإسلامي بما يملك من طاقة جبارة إن استغلت في إصلاح البين ووضع الأمور في إطارها الصحيح ،من المؤسف انه لا يتم استحضاره إلا كورقة تأجيجية في الصراع البيني ، وعليه فإن الأنظمة الخليجية هي المتحكمة لأن في القرار العربي وهوحليف المغرب بامتياز لا يجمعهم سوى التفاني في خدمة المشروع الغربي المسيطر على المنطقة حيث البعد الديني المسموح لهم به هو ما يقوي الصراعات الداخلية ، فلو كان للدين حضور في السياسات العربية لكان المغرب والسعودية طرفا نقيض لأن المغرب دولة تستمد العائلة الحاكمة فيها شرعيتها من الخلفية الصوفية[9] ذات البعد المرتكز على الانتساب للسلالة النبوية ، بينما السعوديون يستمدون شرعيتهم من مذهب أحمد بن حنبل المعروف تاريخيا بعداوته الشديدة لأهل البيت حيث يغلب على مشاهير علمائه ما يعرف بالنصب أي كره آل البيت ومناصرة الأمويين[10] يعتمدون على اجتهادات محمد بن عبد الوهاب، الذي يعتقد هو و أتباعه أن المتصوفة مشركون.

لو أن أمور العرب كانت طبيعية، ولو أن أمرهم بأيديهم لكانت السعودية في جانب الشعب الصحراوي ، فهي بالإضافة إلى هذه الخلفية التي تشكل مرجعيتها معروفة بكرهها لكل ما هو قومي يدعو إلى الوحدة ولكونها هي من يقود « الإسلام العربي » فلم تشأ يوما حتى أن يكون دعمها الظاهري لفلسطين له بعد ديني لأن ذالك مرفوض ومغضب للغرب، لذلك ليس من المناسب أن نتحدث عن انتماء إسلامي في تعامل العرب مع قضية الصحراء فلا حضور للدين في عمل عربي معاصر ذا قيمة حقيقية على الأمة، الوضع الصحيح والمهم جدا هو أن لا يتحدث العرب عن القضية الصحراوية،فرب ضارة نافعة، من حسن حظ الصحراويين أن العرب لا يتكلمون في قضيتهم ومن حسن حظهم أن عرب شبه الجزيرة بالذات يساندون المغرب فلو كانوا يدعمونهم لكان مستقبلهم شبيه بالفلسطينيين تماما من الاقتتال البيني والفرقة والطائفية، لو ساندوهم لكانوا في وضع مخجل ومحزن إن من يدرك عجز العرب لا يسعه سوى تهنئة الصحراويين وحضهم على أن لا يتركوا العرب يتدخلون في الملف فالعرب عاجزون حتى عن تنسيق مواقفهم في قضية فلسطين التي يعتبرها كل حاكم عربي قضيته، إنهم أعجز من أن يتجرؤوا على الحديث علنا عن ما يريدون فعله ،على الإخوة الصحراويين أن يبعدوا العرب ما استطاعوا عن قضيتهم ففي إفريقيا وأمريكا اللاتينية ظهير وفي لن يتخلى عنكم ، والتاريخ كفيل بإنصافكم فآخر أوراق المغرب هي مهزلة الحكم الذاتي التي لا يريدها العالم، رغم استماتة الإمبريالية العالمية في تبنيها وتسويقها.


[1] البيظان بالظاء كما ينطقونها أوالبيضان كما يكتبونها تسمية يطلقها ساكنة الصحراء الكبرى على الشعب العربي الناطق باللهجة المسماة عندهم بالحسانية نسبة إلى حسان جد الفرع المعقلي المنساح في تلك الصحراء والذي شكل تمازجه مع قبائل صنهاجة مجموعة البيظان و الفظة لا تعني الانتماء الجنولوجي وإنما دلالتها في الأساس ثقافية فعند ما يقولون عن شخص ما بيظاني يعني ذلك انه متمسك بقيم هذا الشعب.
[2] استقلال تونس والمغرب
[3] في هذه السنة حصلت جميع دول غرب إفريقيا الفرنسية على استقلالها
[4] درج جل مؤرخي الفترة الاستعمارية في موريتانيا إلى اعتبار مهندس احتلالها المدعو إكزافيي كبولاني هو من أطلق عليها تسمية موريتانيا وهو خطأ صححه الباحث الكبير الدكتور محمدو ولد محمدن في كتابه المجتمع البيظاني في القرن التاسع عشر حيث أورد فيه وثيقة تعود لسنة 1843 أطلق فيها الضابط فرانسوا كايي اسم موريتانيا على ساكنة الضفة الشمالية لنهر السنغال الحدود الفاصلة بين ارض البيظان والزنوج في منطقة الترارزة بالجنوب الغربي الموريتاني وذلك قبل كبولاني بأكثر من نصف قرن أنظر للمزيد أنظر كذلك كتاب التوغل الفرنسي في بلاد البيظان للمؤلف سيدي محمد بن جعفر
[5] الصواب أنه محمد السادس لأن محمد بن عرفة هو محمد الخامس من السلاسة العلوية غير أن إقصائه من طرف الدوائر الاستعمارية وحساسية بن عمه محمد بن يوسف المدعو الخامس من تاريخه وترسيخ في أذهان المغاربة تسميته بالملك الدمية كلها جعلت سنواته الثلاث في الحكم والتي بسببها لم يلغ الفرنسيون النظام الملكي كلها جعلته يُنسى ويدعا الأخير بمحمد الخامس
[6] اخبرني شيخنا ولد محمد الاغظف أول وزير خارجية موريتاني في مقابلة أجريتها معه بمناسبة مرور أربعين سنة على استقلال موريتانيا أنه كان في اللجنة التحضيرية لقمة آديس ىبابا الإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية وانه قال لجمال عبد الناصر لم لا تقبلون انضمامنا للجامعة العربية فقال له انتظروا سنعترف بكم وسنفرض على العرب الاعتراف بكم.
[7] للمزيد يمكن العودة إلى كتاب المختار ولد داداه موريتانيا في مهب الرياح
[8] ظلت مواقف الزعيم الليبي الراحل من قضية الصحراء متأرجحة مع سياساته المضطربة فبعد كان دائما قويا للصحراوين ربما فاجأ الجميع بالانخراط في كيان وحدوي مع المغرب سنة 1983
[9] تنتسب العائلة المالكة في المغرب إلى مولاي علي السجلماسي ومن اسمه نسبتها العلوية حيث يفرق بينا وبقية أشراف المنطقةاذين هم في الغالب أدارسة وليست النسبة إلى على بن أبي طالب كما يعتقد العامة ومولاي علي السجلماسي بدوره ينحدر من الدوحة النبوية عن طريق محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط وهو الأخ الأكبر الإدريس الأكبر قود قاد ثورة الحجاز ضد المنصور العباسي وقتل حيث تمكن أخاه ادريس من الفرار إلى المغرب وتأسيس الدولة الإدريسية ، وكان السجلماسي وليا وصحب كرامات
[10] يمكن العودة في هذا الصدد إلى كتب بن تيمية خاصة كتابه منهاج السنة حيث يقول فيه إن امير المومنين عليا قاتل من أجل الرياسة وكان مخذولا ويقول عن معاوية بن ابي سفيان كان مجتهدا وكثير من علماء الحنابلة كان يلعن عليا قبل ان يبدأ في التدريس يمكن العودة إلى بن بطة والخلال وبن ابي يعلى القاضي وعبد الله بن احمد وسترى العجائب.

سيدي محمد بن مولاي أحمد بن جعفر
كاتب الموريتاني


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م