موريتانيا تلبس ثوب «مهرجانات الرحيل» و«تظاهرات البقاء»

موريتانيا تلبس ثوب «مهرجانات الرحيل» و«تظاهرات البقاء»

الخميس 31 أيار (مايو) 2012 الساعة 14:10

لم تستطع معركة اللجوء للشارع أن تحسم الأزمة السياسية الموريتانية المتفاقمة بين نظام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز ومنسقية المعارضة الموريتانية، رغم دخول هذه المعركة شهرها السابع على وقع استراتيجيتي “الرحيل” و”البقاء” .

لم تتمكن المعارضة الموريتانية من امتلاك أدوات الحسم رغم الخطاب الناري والزخم الجماهيري، لكن النظام لم يستطع هو الآخر تجاوز “مرحلة القلق” على مصيره وهو يتتبع خطوات المعارضة في كل ولايات وقرى البلاد، واستخدم القمع بقوة، إلا أن الشارع لم يهدأ، ولم تجد الملفات الكبرى حلاً جذرياً .

بات طرفا الأزمة الموريتانية يشعران أن رصيدهما من التكتيكات أشرف على نهايته، وباتا أمام واقع حرج، وانسداد شبه كامل مع غياب إرادة التفاهم أو الحوار .

فإلى أين تتجه الأزمة الموريتانية؟ وما هي مآلات صعود وهبوط الأسهم في بورصة المناورات الحالية القائمة على مهرجانات الرحيل وتظاهرات البقاء؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة، نلقي نظرة على أحداث هذا الأسبوع، فآخر ما وصلت إليه تصريحات زعماء المعارضة هو أنه “لا مجال للحوار مع نظام ولد عبدالعزيز”، الذي “عليه أن يرحل دون شروط”، لكونه “نهب ثروات البلاد وامتلك العمارات والشركات على حساب الشعب الجائع الذي يواجه الجفاف”، و”لكونه يمارس القمع والبطش ضد التظاهرات السلمية، ووصل به الأمر إلى المساس بحرمة المساجد وترعيب المواطنين” .

ثم تؤكد المعارضة أن الرئيس استنفد آلة القمع والبطش، وأن رحيله سيكون عاجلاً لدرء المخاطر والفوضى التي يريد أن يجر البلاد إليها من خلال سوء التسيير والقمع والعنجهية ونهب الأموال العمومية .

وليس هذا فحسب، فهذا زعيم المعارضة الموريتانية أحمد ولد داداه يقول مخاطباً سكان ولاية “تكانت” (شمال) إن الرئيس ولد عبدالعزيز ليس من حقه الرئاسة لكونه زوّر أوراقه الثبوتية وهو أجنبي مولود بالسنغال .

وتزامن ذلك مع ثاني الجمعات الدامية لحركة “مشعل” (شباب منسقية المعارضة) في العاصمة نواكشوط، حيث بدأ تقليد تنظيم مظاهرة شبابية أسبوعية تطالب برحيل النظام، وأبلغت “الخليج” أن شباب المنسقية مستعد للمضي في هذا الخيار رغم الاعتقالات والجرحى .

وبدأت فروع المنسقية في الولايات الداخلية تنفيذ أوامر زعماء المعارضة بتنظيم مهرجانات احتجاجية، تركز على “تلطيخ” صورة النظام وعرض مشاكل سكان الداخل مع مثلث الجفاف وغلاء المعيشية والتهميش . . وهو مجهود يراد منه مؤازرة الحراك المركزي على مستوى العاصمة نواكشوط، وتشتيت جهود النظام على أكثر من جبهة داخلية .

أما على مستوى جبهة النظام، فقد كثفت الأحزاب الشبابية الموالية مهرجاناتها في أحياء الفقراء وأحزمة الصفيح، مركزة على الدعوة لتجنيب الشباب الموريتاني أتون معركة لا تعنيه، ومثمنة الإنجازات التي حققها الرئيس في وقت قياسي، فيما نال زعماء المعارضة حظهم من سيل الشتائم باعتبارهم “طبقة من العجائز وفلول أنظمة الفساد”، ولم يسلم “الربيع العربي” من سهام الموالاة التي رأت أنه تحول إلى فوضى وحروب أهلية لتجزئة الأقطار العربية .

أساليب طريفة

وشدد الحزب الحاكم والسلطات الإدارية الخناق على أنشطة المعارضة، حيث منعت لجانها الدعائية من تعليق الشعارات والملصقات في الأماكن العمومية خلال جولة زعماء المعارضة هذا الأسبوع شمال البلاد، كما كثف كبار مناصري النظام “إنفاقهم” على السكان لثنيهم عن حضور مهرجانات المعارضة .

بل لم يخل هذا “الإنفاق” من أساليب جديدة طريفة، حيث أعلن رجل الأعمال الموريتاني محمد ولد لبشير أنه لم يشتر منزلاً في مقاطعة “أوجفت” بالملايين، إلا ليطهر المقاطعة من المعارضة التي كانت تستخدم ذلك المنزل .

أما الجبهة الثالثة في هذا الصراع، فهي أحزاب المعارضة المحاورة، والتي وقعت اتفاقاً سياسياً مع النظام أواخر السنة الماضية، وقد عادت هذه الأحزاب بقوة إلى الواجهة هذا الأسبوع، ويمكن تلخيص خطابها في ما ورد على لسان زعيمها ورئيس البرلمان مسعود ولد بلخير الذي ناشد الطرفين (النظام والمنسقية) أن يرحما الشعب الموريتاني ويجنباه العنف والفوضى التي ستعصف بوحدته .

وقال مسعود ولد بلخير مخاطباً الشعب الموريتاني عبر التلفزيون الرسمي “إن موريتانيا عالقة بين نظام أصم ومنسقية ساعية للفوضى” .

وأكد أنه يفضل “الصبر على نظام ولد عبدالعزيز بدل الفوضى وما تثيره منسقية المعارضة من هلع جراء دعوتها للثورة” .

إلا أن مسعود ولد بلخير، رغم حديثه العاطفي الذي خنقته العبارات أكثر من مرة، ولهجته الوطنية القلقة من هشاشة التركيبة الاجتماعية للبلاد، وكونها قنبلة موقوتة، لم يبد أي مرونة إزاء قبول كتلته السياسية بحوار جديد بين النظام ومنسقية المعارضة، معتبراً أن الحوار الذي أجراه قطبه السياسي (حزب التحالف، الصواب، الوئام) كاف للخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة، مشدداً على أن البلاد لا يمكن أن تظل تخرج من حوار لتدخل في آخر .

أمام توجه هذه الجبهات الثلاث، من الراجح أن حرب الشوارع كرست الأزمة الموريتانية بدل ترجيح كفة الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، وتكاد ظاهرة “مهرجانات الرحيل” و”تظاهرات البقاء” تصبح مشهداً مألوفاً، بل لاحظت “الخليج” أن مستوى الحضور الشعبي لمهرجانات الطرفين تراجع بنسبة كبيرة خلال الجولات الحالية .

وعلى ضوء ذلك يبدو أن الأزمة الموريتانية تبتعد تدريجياً عن الحل السياسي، رغم الشائعات بدخول رجال الأعمال على خط الوساطة، وفشل ثلاثة أحزاب من الأغلبية في انتزاع موافقة المعارضة على أي نوع من الحوار أو التهدئة مع النظام .

ويبدو أن المعارضة الموريتانية باتت تعلق حظها على “المغيبات” من نوع الانقلابات العسكرية أو “الأجل المحتوم”، وفق تعبير قيادي في المنسقية . . فيما أعد النظام مسودات تجفيف المنابع، بل وقطع الجذور أمام تنامي شعبية التيارات الأيدلوجية في منسقية المعارضة .

الجهاد ضد “الإخوان”

يدرك الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز أن التيار الإسلامي (الإخوان) يمثل رأس الحربة في منسقية المعارضة سواء على صعيد تمويل أنشطة المنسقية أو التعبئة أو الإعلام، ويدرك أكثر “خطورة” التيار المتمرس في الصراع مع نظام نواكشوط .

وهكذا اتضح هذا الأسبوع أن الرئيس لم يكتف بالإجراءات التقليدية ضد التيار الإخواني، فعزز تواجده في المنظومة الدينية للمجتمع الموريتاني عبر إنشاء “المجلس الأعلى للفتوى والمظالم”، وهو هيئة مستقلة مالياً وتتبع لرئاسة الجمهورية، ويقوده شخص برتبة وزير ويتقيد بمشهور مذهب الإمام مالك، كما ستناط به مهمة إعداد “المدونة الموريتانية للفتوى” .

وفهم من إنشاء هذا المجلس أن الرئيس يسعى لتعزيز هيمنة المذهب المالكي على الدولة والمجتمع في مواجهة “الفقه الإخواني” .

إلا أن الخطوة الأكثر لفتاً للانتباه هي شروع التيار السلفي الموريتاني، ولأول مرة في تاريخ التيار، في مشاورات موسعة للبحث في فكرة تشكيل حزب سياسي .

لا أدلة ملموسة تربط هذه الخطوة بسعي النظام لمحاربة الإخوان بكل السبل، إلا أن توقيت هذا الحدث ومستجدات الساحة يطرحان أسئلة حول التقاء مصالح الطرفين (النظام والسلفيين) في الظروف الراهنة .

ذلك أن العشرات من أتباع هذا التيار ارتبطوا فكرياً أو تنظيمياً بالفرع المغاربي ل “القاعدة”، وكانوا من السجناء الذين صدر بحقهم عفو رئاسي بعد مراجعات فكرية أشرف عليها النظام .

كما لاحظت “الخليج” تزامن حدثين مهمين في هذا الإطار، فقد خرجت منقبات التيار في أول تظاهرة في العاصمة نواكشوط يطالبن بتطبيق الشريعة ويرددن شعارات مناوئة للديمقراطية، وحظيت هذه التظاهرة ب”لطف أمني” غير معهود . في الوقت الذي خرج الرئيس ولد عبدالعزيز ليقول للجمهور إنه يرفض العلمانية وإن الديمقراطية تتوقف عند حدود الدين وإنه مستعد لتطبيق الشريعة الإسلامية . . وهكذا يعلن الطرفان (النظام والسلفيون) في توقيت متزامن أن الديمقراطية غير مهمة بالنسبة لهما ويبديان اهتمامهما بالشريعة .

موقف السلفيين

لا شك أن سلفيي موريتانيا تأثروا بالأحزاب السلفية الجديدة في الوطن العربي خاصة ما حققه حزب “النور” المصري، وما أتاحه “الربيع العربي” من حراك وحريات، ولكن تبقى ملاحظة مهمة هنا قد يستغلها النظام في “جهاده” ضد “الإخوان”، وقد تغري أيضاً التيار السلفي بالعمل السياسي والاستحواذ على بعض قواعد “الإخوان”، ذلك أن أوساطاً في الإسلاميين الموريتانيين تشعر أن حزب “تواصل” (الإخوان) بالغ في الهمّ “السياسي” على حساب “الديني”، حتى ظهر الرئيس ولد عبدالعزيز أكثر “دينية” بإنشاء “جامعة شنقيط إسلامية”، الأولى من نوعها في البلاد، وطبع “مصحف شنقيط”، ومشروع أكبر مسجد في تاريخ البلاد، واكتتاب مئات الأئمة، فضلاً عن إطلاق إذاعة القرآن الكريم، والاتصال بالجماعات الدينية من تبليغية دعوية وصوفية وغيرها .

والرئيس في تبني هذه المشاريع واندفاعه فيها، يعمل على خطف شعارات “الشارع الديني”، تماماً كما فعل مع التيار اليساري، حيث سحر الرئيس لفترة الجماهير المسحوقة بخطاب الملامس لمعاناة المواطنين مع الواقع المعيشي .

إن السؤال هنا هو هل سيصل الأمر بنظام ولد عبدالعزيز حد التحالف مع “التيار السلفي” والاستعانة بحزب نور جديد في مواجهة الأداء المتصاعد للتيار الإخواني الداعي للثورة والإطاحة بالنظام؟

ما هو مرجح أن التيار السلفي الموريتاني إذا قرر دخول الساحة السياسية سيدخلها من “رصيد” “الإخوان” ورأس مالهم الشعبي، أو هذا ما يتمناه النظام الموريتاني على الأقل لتجاوز هذه الأزمة المنقبة بأكثر نطاق.

المصدر : صحيفة «الخليج»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م