تعقيب على موضوع الرق وحرق كتب الفقه فى موريتانيا (4/2)

تعقيب على موضوع الرق وحرق كتب الفقه فى موريتانيا (4/2)

الأربعاء 23 أيار (مايو) 2012 الساعة 09:47

بقلم : محمود عثمان رزق

فى الحلقة الأولى رأينا كيف أغلق الإسلام أبواب الرق التاريخية بتشريعات مختلفة وحرم إسترقاق الأحرار بحديث قدسى صريح العبارة واضح المعنى. وفىهذه الحلقة سنستعرض كل الاحاديث التي تناولت موضوع الرق حتى يرى القارئ المجهود الذي بذله الاسلام في تحريم الرق و تحرير ما وجد من الرقيق فى المجتمعات التى دخلها وغيّر عقيدة أهلها منذ خمسة عشر قرنا من الزمان، ومن لم يستطيع الإسلام تحريره لسبب من الأسبابأوصى بمعاملته معاملة كريمة واعطى الحاكم حق تحريره إذا ثبت عنده أن سيده يسئ معاملته، ولا ننسى أن موضوع الرق كله قد أصبح تاريخا ولكن ما زال بعض الناس يتخذون من بعض وقائع التاريخ الإسلامى سلاحا للطعن فى الدين وفاعليته لقيادة إنسان هذا العصر والعصور التى ستأتى من بعد. ومن أجل هذا قمنا نوضح للناس موقف الإسلام من الرق ونرفض بقوة محاكمة الدين والمسلمين عامة بما فعله السفهاء والجهلاء منهم. وإن كان لا بد من محاكمة الدين فاليحاكم الدين من خلال نصوصه الصحيحة المتواترة الثابتة الموثّقة وإليكم بعضها.

1- روى البخارى وأحمد والترمذى أن رسول الله [ص] روى عن ربه قائلا : «  ثلاثة أنا [الله] خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بى ثم غدر ، ورجل باع حرا فأخذ ثمنه ، ورجل إستأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره. »وطالما أن الغدر حرام بلا خلاف، و"البلطجة" والمقصود بها هنا أكل أموال الناس بالباطل حرام بلا خلاف ، فلا بد أن يكون الإسترقاق حرام بلا خلاف لأنّه قد قرن بأمور لا خلاف عليها ولا تحتاج لدليل على حرمتها.
2- روى أن أبا جهل قال لرسول الله [ ص] : أجئت ترفع ابن سمية [أى عمار بن ياسر] الذليل منازل السادة؟! فقال له رسول الله [ ص] : « نعم ، ونمكن لهم فى الأرض ونجعهلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ». ونحن نسأل التاريخ هل صدق رسول اللهفى قوله هذا أم لا؟ نعم فقد صدق ، فقد مكن لهم بالنصر ،وجعلهم أئمة فى التقوى والعلم ، وأورثهم ملك قريش ومن تبعها بإذن الله تعالى.
3- روى مسلم وأبو داود أن النبى [ ص] قال : « من لطم مملوكا أو ضربه فكفارته عتقه » وعلى هذا الحديث قال الإمام الزهرى : « ولهذا متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر. » كلمة واحدة بذيئة وهو حر!!!
4- روى البخاري ان النبي [ ص ] قال : « أيّما إمرأة ولدت من سيدها فهى معتقة دبر موته. » وهنا الوطء يحرر المولود ويحرر المملوكة على السواء و يقطع حبل توارث وتكاثر الأرقاء فى البيت الواحد وهذا باب واسع من أبواب الرق فى الجاهلية.
5- وقال أيضا « أم الولد لا تباع ولا تهب » أى قد أصبحت مصانةكالزوجةوليس بينهما فارق إلا عقد الزواج وولدها حر ينتسب لأبيه ويرثه كولد الزوجة ، وقبل هذا التشريع كانت ملكا مشاعا وولدها مملوك مثلها وتباع هى وولدها.
6- قال رسول الله [ ص ] : « أيما رجل كانت له جارية [ أى مملوكة ] أدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها وأعتقها وتزوجها فله أجران ». إقرأ هذا النص وإقرأ معه تاريخ الرق الحديث فى أوربا وأمريكا لتعلم الفرق بين الليل والنهار.
7- وروى الشيخان والترمذى أن النبى [ ص ] قال : « أيّما رجل أعتق إمرأ مسلما ، إستنقذ الله بكل عضو منه [ أى من المعتوق] عضوا [من العاتق]من النار » . عمل بسيط جزاه الجنة.
8- روى أبو داؤد ان النبي [ ص ]قال : « أيًما إمرأة اعتقت إمرأة مسلمة فان الله جاعل بكل عظم من عظامها [ أى المعتوقة ] عظما من عظام محررتها من النار يوم القيامة ».
9- وعنه [ ص ] أنّه قال: « من اعتق أمتين كانتا له حجاب من النار » .
10- قال رسول الله [ ص ] : « من أعتق رقبة مؤمنة فهى فك له من النار. » والقرآن يؤكد ذلك.
11- روى البخاري عن الرسول [ ص ] أنَه قال : « إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كلفتموهم فأعينوهم » ، وهى لفتة للتفكر والتدبر والتأمل علّها تنتهى بالعتق
12- وقال أيضا : « إن الله ملككم إيّاهم ولو شاء لملكهم إيّاكم ». والحديث لا يفهم منه أن الله أمر بالإستعباد ولكن يعنى أن هذا الأمر وقع فى إطار إرادته التى تركت الحرية للإنسان فجعلته مخيرا وليس مسيرا وله أن يتصرف كما شاء و سيحاسبه وفقا لهذه الحرية فيما بعد.
13- روى ابن ماجة عن الرسول [ ص ]قال: « لا يدخل الجنة سئ الملك [ أي الذي يسئ لمملوكه ] » . معاملة الرقيق معاملة سيئة يدخل النار
14- روى الإمام أحمد أن إعرابى جاء إلى رسول الله [ ص ] فقال : يا رسول الله علمنى عملا يدخلنى الجنة ، فقال له رسول الله[ ص ] : « إن كنت قد أقصرت الخطبة فقد أعرضت المسألة ، أعتق النسمة وفك الرقبة » فقال الإعرابى أوليستا بواحدة؟ [ أى أليس معنى العتق والفك واحدا؟ ] قال [ أى رسول الله ] : لا ، « عتق النسمة » أن تنفرد بعتقها ، « وفك الرقبة » أن تعين فى ثمنها ."
15- روى عن النبي [ ص ] انه قال : « و لا يقل العبد لسيده مولاي فان مولاكم هو الله » .دعوة للتمرد على الذل
16- وروى عنه [ ص ] أنّه قال : « لا يقل أحدكم عبدى وأمتى ، وليقل فتاى وفتاتى » و إذا كان النهى موجه للمالك حقيقة فما بال الذي لا يملك شيئاو ينادى الناس بالعبيد ؟
17- قال رسول الله [ ص ]: « من أعان غازيا في سبيل الله أو غارما في عسرته أو مكاتبا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ». دعوة صريحة لإعانة الرقيق على المكاتبة
18- وقال رسول الله [ ص ] فى غزوة بدر : « إستوصوا بالأسارى خيرا »، وهل الخير يكون فى إسترقاقهم أم فى فكّهم كما كان يوصى الناس؟
19- وقال أيضا : « ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : من أكل وحده ومنع رفده وضرب عبده. »
20- روى الشيخان وأبو داود والترمذى والنسائى أن رسول الله [ ص ] قال : « من قتل رقيقا قتلناه ، ومن جدع أنفه جدعناه ، ومن خصاه خصيناه » ، أليس هذا قمة العدل لو كان القوم يعترفون؟!.
21- وقال أيضا : « من قذف مملوكا بريئا مما قال ، أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال. »
22- قال رسول الله [ ص ]: « مولى كل قوم منهم » أى جزء منهم ولهذا فقد أشتهر بين المسلمين أن مولى السيًد سيًد وها هو عمر بن الخطاب يقول : « أبوبكر سيدنا وأعتق سيدنا [ أى بلال ] » ويقول رسول الله [ ص ] : « سلمان منا آل البيت ».
23- قال رسول الله [ ص ]: « ما خلق الله مباحا أحب إلى من العتاق ، وما خلق الله مباحا أبغض إلى من الطلاق. » أحب الأعمال إلى رسول الله العتق بابى وأمى أنت يا رسول الله.
24- قال رسول الله )[ ص ]: « أنتم بنو آدم وآدم من تراب ، لا فضل لعربى على أعجمى ولا أعجمى على عربى ولا لأسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى. » رسالة للإمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

وكثافة هذه النصوصفى موضوع الرق تدل دلالة واضحة على حرص و عناية رسول الله [ ص ]بموضوع الرق، وحساسيته الشديدة تجاه معاملة الرقيق والأسرى ،ومن حرصه وحساسيته كانقبل وفاته وهو صحيح معافى ينادى فى الناس دوما يكرر : « عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العانى [ أى الأسير ] » ، وكان آخر ما نطق به قبل وفاته وهو مريض على فراش الموت كلمات قليلة تذكر الناس بحق الله فى الصلاة و النساء والارقاء ، وقد روى لنا أنس ابن مالك تلك اللحظاتقائلا : « كانت عامة وصية رسول الله [ ص ] حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه »الصلاة وما ملكت ايمانكم" « وللحديث طرق اخرى. ومعنى الوصية هى أن إتقوا الله فى الصلاة وما ملكت يمينكم وفى نسائكم. وهذه الوصية تدل على أنّه عاش مجاهدا ضد الإسترقاق ومات على حاله الذى عاش به.

وفى خلاصة الأمر ، نقول ها هى الأحاديث أمام أعينكم فهل ترون فيها دعوة لإسترقاق أحد من الناس ولدته أمه حرا ؟ وحتى الأسرى الذين فقدوا حريتهم بالأسر واقعا، هل ترون حديثا واحدا يأمر بإسترقاقهم ليزيد طينهم بلة ؟ نحن نرى في هذه النصوص نصا واضحا وصريحا يحرم الرق تحريما مغلظا، ونصا يصرخ فى الناس أن الناس سواسية كأسنان المشط ، ونرى فيها أيضا نصوصا أخرى كثيرة ساعدتبالفعل على تفكيك مؤسسة الرق التى وجدها الإسلام فى المجتمعات التى دخلهافوجدها مؤسسة راسخة عريقة. وهذه الصرخة الإلهية النبوية الإسلامية » هى الصرخة التي وجدت صداها بعد أربعة عشر قرناً في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنصُّ على أنَّ : « الناس جميعاً يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق ». ولنا كل الفخر أن نقول : إن الإسلام هو الذى ساعد البشرية للوصول لهذه الدرجة العالية من التحضر والرقى التى تمثلت فى نص المادة الأولى من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان .

ولو كان العالم منصفا فاليقل لنا ماذا زادت هذه المادة الأولى من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على قول رسول الله [ ص ]: « الناس سواسية كأسنان المشط » ؟ وأى العبارتين أشمل وأوضح وأتم؟ والحمد لله قد شرح تلك العبارة البليغة الفاروق لعمرو بن العاص وإبنه عندما قال لهما: « متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟؟ » ولفظ عمر هو نفس اللفظ تقريبا الموجود فى المادة المذكورة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان.

ولو كان العالم منصفا فاليقل لنا ماذا يفعل الإسلام أكثر من ذلك؟ فهو قد حرم الإسترقاق بنص صريح، ولم يأمر بهتصريحا ولا تلميحا ولا سرا ولا علانية. وها هى الأحاديث أمامكم والقرآن أمامكم فاخرجوالنا –جميعكم إنسكم وجنكم- نصا واحدا « يبيح » فيه الإسلام الرق بعد تحريم ، واثبتوا لنا بأدلة لا يتطرق إليها الشك أن الرق كان محرما فى أرض ما قبل الإسلام وجاء الإسلام فأباحه بعد ذلك التحريم. ولهذا نرجو أن يفرق الناس بين التشريع للرق وتفكيكمؤسسة الرقالموروثة ، فكل ما ذكر فى القرآن والسنة إنما هو معالجة وتفكيك لمؤسسة موروثة من النظام الجاهلى العالمى وليس تشريعا يقر أو يبيح الرق ، ولذلك إضطر الإسلام أن يسمى الأشياء بمسمياتها. وآيات ملك اليمين التى فهم منها البعض إباحة للرق هى آيات تفكيك وليست آيات تشريع ولقد سماهم القرآن بملك اليمين لأنهم كانوا فى واقع الأمر كذلك. بمعنى أن الإسلام وجد ملك اليمين موجود ومشاع فوضع له قيودا تساعد فى عملية تفكيك ممنهجة، ولكنه لم يقل للمسلمين « أكثروا من ملك اليمين » أو « تنافسوا فى ملك اليمين » . وأخيرا، أرجو ألا يتعامل معنا الخصم بمنطق « عنزة ولو طارت » فهذا ليس بمنطق بشر ولا منطق طير.

فى الحلقة القادمة وهى الثالثة سنتناول الآيات القرآنية التى لها علاقة بموضوع الرق ، بإذن الله تعالى.

محمود عثمان رزق
السودان


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م