القضية الأزوادية... استراتيجيات الخروج الممكنة

القضية الأزوادية... استراتيجيات الخروج الممكنة

الجمعة 20 نيسان (أبريل) 2012 الساعة 12:12

بقلم : الحسن ولد احريمو

أعتقد أن أهم ما تكشفت عنه اجتماعات « دول الميدان » يوم الأحد 8-4-2012 في نواكشوط، التي بحث فيها وزراء خارجية موريتانيا والجزائر والنيجر، أبعاد وتحديات الأزمة الأزوادية الراهنة، هو تأكيد الطرفين الموريتاني والجزائري خاصة على أن أولى الأولويات في مساعي تسوية الأزمة ينبغي أن تكون لـ"الحلول السلمية". ولاشك أن عبارة « الحلول السلمية » هذه مهمة للغاية، لأنها... تضع الحل العسكري على الموقد الخلفي، في الظرف الراهن على الأقل. وفي ذلك رسالة لمن يهمم الأمر، لابد أن تلتقطها الدول الأخرى المعنية. وعبارة « الحلول السلمية » هذه تعني في لغة الدبلوماسية الكثير، وأقله التفاوض تحت سقف مفتوح، ودون شروط مسبقة. وهي عبارة حمّالة أوجه، على كل حال، يضيق فيها اللفظ ويتسع المعنى. ولذا أعتقد أن على قادة « الجبهة الوطنية لتحرير أزواد » الإمساك بهذا الخيط الآن، واستقبال هذه الرسالة بسرعة، وبالطريقة المناسبة، لأنها قد لا تبقى مطروحة على الطاولة لفترة طويلة. وقد تسحب من التداول السياسي -والإعلامي- عند أول احتكاك أو طارئ عنيف متوقع بقوة، في وضع سائل ومتقلقل على الأرض، ولا أحد يعرف على أي جانبيه سيقع.

وقد يقول قائل، بكل تأكيد، إن الحركة التحررية الأزوادية قد صادرت سلفاً على ما يمكن تسميته بـ"الحلول السياسية"، بحكم إعلانها المسبق عن الاستقلال، من جانب واحد. وبالتالي فإن أي انخراط سياسي إيجابي من قبلها مع مطلب « دول الميدان » يقتضي تنازلاً مؤلماً، لابد أن يبدأ بالنزول من على شجرة الاستقلال نفسها، والعودة إلى المريع الأول، للبحث عن حزمة مخارج ممكنة للأزمة. وهنا لابد من الإشارة إلى أن إعلان الاستقلال نفسه كان خطأ إجرائيّاً في حد ذاته -إن لم يكن خطأ سياسيّاً- كما أن العودة إلى طاولة الحلول السلمية، لا تعني بالضرورة التنازل عن تطلع سياسي مشروع هو حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الأزوادي.

ومن بديهيات الممارسة السياسية أن الجهد التحرري عموماً لابد أن يتحلى بجرعة معقولة من الواقعية، لضبط بوصلة جموح الأحلام النضالية الثورية التي قد تمثل قوة دفع في الاتجاهين، إلى الأمام أو إلى الوراء معاً، وسواء بسواء. وفي لحظات التدافع السياسي الكبرى، من تاريخ الشعوب، يكون تأجيل الأحلام، ومقاومة إغرائها وجاذبيتها، خياراً صائباً أحياناً. وهنالك جدوى دائماً من العمل السياسي، إذا تمت ممارسته وفق منطق التراكم والخطوة- خطوة، وفي ضوء مفردات الواقع وموازين القوى القائمة. لأن البديل عن كل ذلك هو التفكير الرغائبي غير الواقعي، أو السباحة في سرابات متعذرة الإدراك، أو حتى المجازفة بأن يحرق الجهد النضالي سفنه وراءه.

وفي رأيي الشخصي أن إعلان الجبهة قبولها المبدئي لدعوة « دول الميدان »، والمجتمع الدولي بصفة عامة، للطرفين إلى إيجاد تسوية سلمية، هو أفضل الخيارات المتاحة الآن. وعلى طاولة التفاوض تلك يمكن أن تخرج الجبهة كل ما في جعبتها من مطالب دون سقف محدد أو شرط مسبق. وحق تقرير المصير يمكن أن يكون أحد هذه المطالب. فالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني يضمنان حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي نيل حقوقها كاملة غير منقوصة. والفزع والرعب اللذان أشاعهما إعلان الجبهة، هذا الأسبوع، عن الاستقلال، مفهومان، وخاصة بالنسبة للدول الإفريقية. فمعظم دول القارة أقيمت أصلاً على غير أساس سياسي تاريخي. وهي دول اكتسبت خرائطها الحالية من أمزجة صناع الخرائط في العهد الاستعماري. وتتصور هذه الدول أنه متى ما فتح المجال لزحزحة مبدأ « قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار » فسيخرج كل ما في قمقم « باندورا » الإفريقي من مشكلات وأسباب تفكك وتفسخ سياسي، لا أول له ولا آخر. ولذا فإن تعلق معظم الدول الإفريقية بوحدة جارتنا الشقيقة مالي ليس في الأساس حرصاً على شرعية، أو حباً في سواد عيون الدولة المالية، وإنما يأتي خوفاً وفرَقاً من أن يمتد « التقسيم » و"التفكك" إلى دول أخرى في القارة. ولذا فإن تلك الدول تدافع عن وحدتها الوطنية، من حيث ترفع العقيرة دفاعاً عن وحدة مالي. وهذه حقيقة ماثلة وليست عصية على الفهم أبداً.

وأكثر من هذا، تسود في قارتنا عموماً ثقافة سياسية ترى في السيادة شيئاً شبيهاً بالزواج الكاثوليكي الأبدي، من العقد إلى اللحد. وفي هذا السياق ذي الخصوصية السياسية الاستثنائية ينبغي تفهم حجم الاحتقان والتشنج الذي قوبل به إعلان استقلال أزواد.

وبعد هذا زادت متغيرات كارثية لاحقة من تصليب الرفض الدولي لاستقلال أزواد. وقد جاءت الأخبار والصور تباعاً من تومبكتو وغاوة مؤكدة وجود مليشيات الجماعات الإرهابية المسلحة بشكل قاطع لا لبس فيه، وقد ألحق هذا بالقضية الأزوادية ضرراً لا حدود له، ويصعب الآن تقدير حجم أثره السلبي، والفاقد السياسي المترتب عليه، حاضراً ومستقبلاً. ولا حاجة للتذكير بأن العالم أجمع لا يمكن أن يتكيف مع هذا الواقع، أعني واقع وجود الجماعات الإرهابية المسلحة على الأرض في أزواد. والحل الوحيد في التعامل معها هو القضاء عليها، دون قيد أو شرط، وبشكل حاسم. وهذه المهمة إن عجزت الجبهة الأزوادية عن تحقيقها، فإن العالم -بقواه العظمى والإقليمية- لن يتأخر أبداً عن التدخل لتحقيقها، ضماناً للقضاء على تلك العصابات الإرهابية المجرمة.

والشاهد في هذا الاستطراد الطويل أن ثمة سلم رهانات وأولويات الآن بالنسبة للعالم في إقليم أزواد... وتأتي على رأس هذه الأولويات ضرورة دحر الجماعات الإرهابية... وبعد ذلك تأتي التسوية العادلة للأزمة بما يستجيب لتطلعات الشعب الأزوادي نفسه، ويضمن الاستقرار المستدام. وهذا العامل مهم جداً ولابد من وضعه في الاعتبار، فالعالم كله يريد القضاء على الإرهاب. ووجود جماعات إرهابية هو سبب الأسباب الأول الآن في التعبئة ضد القضية الأزوادية ورفض الاستقلال. وأما بقية أسباب الرفض الأخرى فمجرد حيثيات وتفاصيل مكملة لهذا السبب الحاكم.

ومن هنا أرى شخصيّاً أن على الحركة التحررية الأزوادية أن تتجه اليوم لإعادة بناء مقاربة سياسية أكثر مرونة وأبعد نظراً مما اتبعته حتى الآن في إدارة الأزمة. وهنا يمكن الإشارة إلى استراتيجيات خروج ممكنة من انسدادات اللحظة الراهنة، سأورد بعضها في شكل رؤوس أقلام ونقاط خاطفة، وربما أيضاً دون ترتيب كافٍ:

1- الإعلان عن قبول الجبهة الوطنية لتحرير أزواد لمبدأ الاحتكام إلى الحلول السلمية، وقبولها لخيار استشارة سكان الإقليم من خلال استفتاء عام ونزيه، وبإشراف دولي، حول خياري الاستقلال، أو الحكم الفيدرالي الموسع مع دولة مالي. ومن خلال صناديق الاقتراع يمكن أن يخرج استقلال أزوادي ناجز، وغير متنازع عليه، تماماً كما وقع في حالة دولة جنوب السودان. وهو ما يقتضي طبعاً التوصل مع دولة مالي إلى ما يشبه اتفاق نيفاشا أزواديّاً. وهذا النوع من الاستقلال لابد فيه من خطوات بناء ثقة تفرض حداً -ولو أدنى- من التوافق مع الطرف الآخر، لأنه في النهاية فض لشراكة مديدة تحت سقف وطن واحد، ولابد أن يتم بالتراضي بين الطرفين. ومرة أخرى لا يستطيع العالم أن ينكر على شعب أزواد حقه في تقرير مصيره، ولكنه فقط يستطيع الاعتراض على الحيثيات الإجرائية الموصلة إلى ذلك الحق، وفق منطق الشرعية الدولية.

2- مطالبة العالم بمساعدة الحركة التحررية الأزوادية للقضاء على الجماعات المتطرفة والإرهابية، الآن وفوراً. وقطع كافة أشكال التكيف والتعايش مع وجودها في مدن الإقليم. ووضع مختلف الأطراف الدولية أمام مسؤولياتها السياسية والأخلاقية في هذا المجال. ولاشك أن النضال التحرري الأزوادي هو من سيربح من وراء القضاء على تلك الجماعات الآن، لأن وجودها على الأرض مخصوم عملياً من سيطرة الحركة التحررية الأزوادية على الإقليم. ووجودها أيضاً هو ما يحشد التعبئة الدولية ضدها اليوم.

3- وقف كافة الجهود الرامية إلى ما قيل إنه مسعى لتشكيل حكومة أزوادية الآن، بحسب تسريبات إعلامية، حتى يتم التوصل إلى تسوية قابلة للاستدامة. والعمل بدلاً من ذلك على اكتساب شرعية داخلية ناجزة، وغير متنازع عليها، داخل أزواد نفسه. وإشراك كافة فعاليات وحساسيات الشعب الأزوادي في أية ترتيبات مقبلة.

4- الإعلان عن تجميد بيان الاستقلال في الظرف الراهن مع الاحتفاظ بحق تفعيله متى ما كانت الظروف السياسية ملائمة. ولن يكون هذا التجميد بالضرورة تراجعاً عن حق الشعب الأزوادي في تقرير مصيره. بل سيكون فقط رسالة حسن نية موجهة للعالم. وعلى العموم فقد أدى إعلان الاستقلال في حد ذاته الغرض وحقق للشعب الأزوادي مكسباً سياسيّاً وإعلاميّاً كبيراً لجهة وعي كافة الأطراف الدولية الفاعلة بسقف تطلعات هذا الشعب، ونضاله المرير الذي امتد لأكثر من خمسين سنة من أجل نيل حقوقه المشروعة، وأن هذا النضال لابد أن يتكلل في النهاية باجتراح حقه في تقرير مصيره.

ولاشك أن كل هذه الخطوات تقتضي، بطبيعة الحال، مزيداً من الانخراط في معركة كسب العقول والقلوب، وتكثيفاً للتواصل مع مختلف الأطراف الدولية، والإقليمية، لتبصيرها بتطلعات الشعب الأزوادي. ويقتضي أيضاً، بالدرجة ذاتها، إعطاء فرصة للحالة السياسية الجديدة في مالي، لمعرفة طبيعة ومستوى استجابتها لتطلعات الحركة التحررية الأزوادية المعلنة، فقد يكون في الشبكة أكثر بكثير من توقعات الصياد.

الحسن ولد احريمو


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م