حكمة الشرق في « ملحمة المعري » للشاعر أويديك إسحاقيان

حكمة الشرق في « ملحمة المعري » للشاعر أويديك إسحاقيان

الجمعة 20 نيسان (أبريل) 2012 الساعة 07:57

كتب أويديك إسحاقيان قصيدة « ملحمة المعري » وهي القصيدة التي أدخلته محراب الآداب العالمية ، وأرجعت شعبه الأرمني إلى حنينهم الدائم إلى الشرق ، و خلدت أبا العلاء المعري في نفوسهم.

وهو لم يكتب هذه القصيدة إلا بعدما قاسى الظلم والسجن والتشريد ، والاعتقال والنفي ، وعايش الحياة المضطربة في ظل مظالم القيصرية الروسية ، وعاين حقوق الأمم وهي تداس بأقدام الطغاة ، والقيم الإنسانية وهي تهدر ، وطبقات البشرية وهي تسحق تحت أقدام الفقر والجوع .

فهذه الفترة المظلمة التي عايشها كادت أن تنسيه العدالة على وجه الأرض ، فأراد أن يعبر عن معاناته فلم يجد خيرًا من شخصية أبي العلاء المعري ليتخذها قناعًا له ، وذلك بعدما اطلع على حياته وشعره في كتيب صغير باللغة الألمانية ، وأعجب به إعجابًا شديدًا ملك شغاف قلبه وأفق فكره.

وقد وجد أن نفسه قريبة جدًا من نفس المعري . كما وجد في البيئة المعرية ، ما ينسجم مع روحه الرومانسية ، إذ أوحت له بأشياء كثيرة . فصورة الظلم الاجتماعي ، وصور قوافل الجمال والصحراء الطاهرة ، ثم حكمة الشرق وروحانياته وفلسفته وصوفيته في الحق والعدالة وجدت صدى في نفس إسحاقيان ، وأيقظت فيها ولادة هذه الملحمة في شخصية المعري .

ومن يقرأ هذه الملحمة يجد أن النفس الرومانسي يطغى على جلّ مقاطعها، حيث يمكن عدّها بمثابة الثورة الشعرية على أوضاع البشر المتردية ، والتصوير الدقيق للفترة الزمنية التي عايشها أويديك في ظل الظلم والقهر ، لذلك لا نستغرب عدّه لها على أنها « الابن الروحي » .

فنحن لا يمكننا دراسة الملحمة وتفسيرها بعيدًا عن دراسة الأحوال الزمنية التي رافقت ولادتها ، أو أثرت في مخاضها ، ومع هذا لا نقصد عدّها ملحمة تاريخية ، إذ إننا نجد إسحاقيان لا يلتزم تاريخ حياة المعري، بل يحاول مخالفة سيرته تاريخيًا ، فلسنا بصدد تاريخ وإنما نحن أمام تعبير عن رؤية المعري ، وكشف حقيقي لفلسفته ، وهما في واقع الحال رؤية وفلسفة إسحاقيان.

لقد لام المستشرق الروسي « كراتشوفسكي » إسحاقيان على عدم تقيده بتاريخ حياة المعري ، وهنا يمكننا طرح إشكالية التاريخ والأدب في هذه الملحمة ، التي لم يقصد مبدعها إلى إعطاء سيرة المعري بالدقة التاريخية ، وإنما أراد ان يكشف عن آرائه في أنظمة المجتمع السائدة .

وفلسفة المعري في واقع الحياة ، وما كان يثور عليه من المتناقضات ، التي تسود حياة الناس في زمنه . أثارت في نفس أويديك الأوضاع السيئة والمتناقضات الاجتماعية التي تسود علاقات الناس في عصره. لذلك اتخذ شخصية المعري ليعبر بلسانه ، عن آرائه وعواطفه ، في هذه الملحمة بأسلوب فني يبتعد عن الجمود التاريخي .

يقول إسحاقيان: « إن النظرة التشاؤمية التي تبدو في ملحمة المعري ، ليست غريبة على نفسي، لأنني رأيت كل هذه الحالات من المظالم التي أرفضها ». وهذه القولة تلوح لنا بيأسه من كل شيء لأنه لم يجد وسيلة للخلاص من هذه المظالم إلا بالابتعاد عنها، إلى الصحاري الطاهرة، حيث تسود الحرية المطلقة، والشمس تسطع بالحق والعدالة ، والأرض لم تدنس بعد بجرائم البشر.

ولم يأخذ إسحاقيان من شعر المعري سوى هذا البيت :" هذا جناه أبي علي/ وما جنيت على أحد" وقد غيّر قصة حياة المعري ، وأعطاها نفحة فنية رومانسية .
أما عن سبب هذا التشاؤم البادي على الملحمة فسوغه إسحاقيان لما قال: « إنه السجن والمنفى ، إنه العذاب والاضطهاد ، إنه التشرد والحرمان , أضف إلى ذلك تلك المذابح الرهيبة التي تعرضت لها أمتي ».

وطغت الملامح الرومانسية الشرقية على الملحمة ، وقد قال الأديبالأرمني « ظارطاريان » في هذا السياق : « تشكل ملحمة المعري أقوى صفحات الشعر الوجداني الأرمني ، ففيها جمال عجيب للصور والألوان ، ولعمق الإحساس بموسيقا رائعة ، يمكننا أن نقول : إنها تفتح بداية عصر جديد أمام الشعر الأرمني الشرقي » ؛ وما ذلك إلا لأنه استعمل فيها الأشكال الشرقية ، وخاصة العربية منها في أوزان القصيدة الموسيقية ، والأبيات الطويلة ، كذلك عنون كل فصل من فصول الملحمة بالسورة لإضفاء نفحة عربية شرقية إسلامية عليها ، واستعمل في لغة الأصل للملحمة كثيرًا من الكلمات العربية لينقل القارىء الأرمني إلى أجواء المعري العربية ، من هذه الكلمات : السورة ، الواحة ، البدو ، الجن ، السراب ، إبليس.

فإذا دخلنا في صلب الملحمة، من حيث فاعلية الأبطال فيها، وحركية اتصال بالمجتمع، فإننا نجد فيها البطل فردًا لا جماعة، وهذا الفرد في حوار دائم مع نفسه . غير أن هذا الحوار الداخلي لا يرصد فقط القضايا الفردية، وإنما يرصد القضايا التي تهم المجتمع وكل إنسان مسحوق ، في كل زمان ومكان .

وينبع هذا الحوار من عناصر وجدانية تحاكي وجدان الأفراد جميعًا ، فالصراع الذي نحس به هنا صراع الإحساسات والشعور والمعرفة ، ليست هناك حوادث مأساوية تحرك هذا الصراع نحو الحوار الفردي ، ولكن عناصر الصراع هنا منسجمة جميعًا لبيان الغاية من حوار الشاعر إلى ما يسعى إليه الإنسان من الرفعة والعدالة والجمال ، وبطل الملحمة هنا_أي المعري_ كئيب حزين ، جريح النفس ، موجوع الروح، يتألم وآلامه تنبع من ذاته وليست من أجل ذاته ، بل من أجل البشرية ، إنها آلام عالمية .

حيث يجعل إسحاقيان من روح المعري ، مرآة تعكس كل آلام الإنسانية وآحزانها وهمومها . والبطل إلى جانب كل ذلك ، ثائر على الأنظمة والقوانين ، متمرد على الظلم والطغيان ، رافض كل ما هو غير إنساني ، فهو يرفض الزيف والخداع والكذب والنفاق .

يقول إسحاقيان : « تحت ذلك المعطف لا أحد سواي » . و إذا كانت قافلة المعري - كما تصورها الملحمة - تبتغي الابتعاد عن الناس :
« أنا لا أريد الرجوع إلى الناس أبدًا
فلن أقرع باب الإنسان الغادر.
والناس ما الناس ؟ أبالسة مقنعة .

مزودون بأنياب ومخالب خافية ».
وتنشد الراحة والسلام في هدوء الصحارى ، و طهارة البوادي ، باحثة عن الحق والعدالة ، في الشمس ينبوع النور ورمز العدالة تاركة وراءها الأهل والوطن :
« والصحراء وحدها كانت تمتد من ورائه
عارية في أحضان النور ، وليس لها حد،

وفوق رأسه كانت الشمس تميس،
ناشرة جدائلها الياقوتية بلا نهاية .
والشاعر الكبير أبو العلاء ينطلق في الأجواء ، ويحلق مظفرًا شامخًا ،
وعلى كتفيه يموج الرداء الأرجواني بلآلئه
وهو منطلق نحو الشمس
نحو الشمس الخالدة الأزلية ».

فلا ريب أن هذا الهرب ليس إلا رمزًا لهرب إسحاقيان من وطنه ، بسبب الاضطهاد القيصري ، والسجن والتنكيل . يقول:
« يا قافلتي سيري،
حتى آخر أيام عمري...
لفتة ونظرة أخيرة ألقاهما المعري على بغداد الراقدة ،
ثم أدار جبهته المتغضنة مشمئزًا
.............

ونفرت من أهداب عينيه
دمعتان حاقتان عصيتان
كانت القافلة تتهادى
بوشوشات حلوة بين السهول الراقدة
وهي تحث الخطى إلى الأمام نحو الصحراء
نحو الشواطىء المجهولة البعيدة العذراء ».

فمغادرة المعري مدينة بغداد ترمز إلى مغادرة إسحاقيان وطنه . غير أن الشاعر يحن إلى الوطن ويود الرجوع إليه، بعد أن تزول السجون، وتنقشع ظلمة الاضطهاد، وترفرف راية الحق على ربوعه، وتسود روح العدالة والحق . وهذا ما أوحى له بكتابة قصيدة أخرى عنوانها « عودة أبي العلاء » و قال فيها:

« وعم النبأ وانتشر الخبر في أسماع البشر ،
في المدن والأحياء ، وفي كل الأرجاء،
أن عاد أبو العلاء ، عاد أبو العلاء،
من شواطىء الغربة إلى ربوع الوطن الغناء
...لقد مرت السنون ، عندما هرب منّا خفية،

رأيناه منهوكًا تحت اثقال السنين ،
يحمل البسمة في عين ، وفي الأخرى دمعتين ،
لكن كان في وسطه سيف ، وفي خطواته مضاء ،
وفي جبينه العريق إشراقة وصفاء
............
ها قد عاد ...قد عاد ».

يقول ليونيد برفومايسكي سنة 1939 : « لقد سحرني إسحاقيان بشعره الوجداني المشبع بالحزن الهادىء ظاهرًا ، حيث تبدو لك المأساة تعصف ، وتغلي في شفافية قاع المياه المتجمدة ، لقد سحرت بملحمة المعري . إنها قصيدة تحمل روعة النغم ، ولا مثيل لها في الشعر العالمي » .

وما ذلك إلا لأنها تمثل صورة جديدة، من الشعر الوجداني الفلسفي، يتماوج خلالها الفكر الصوفي بتشاؤمية حول مصير الإنسان، وعلاقات البشر، ويصل إلى تفجير ثورة على كل ما هو غير إنسان ، بغية البحث عن ناموس جديد للإنسان لتسطع شمس العدالة، ونور الحرية، والمساواة بعد الشك والقلق على مصير الإنسانية . لذا نراه يعرّي خبايا النفوس البشرية، فمن الصديق إلى الزوجة، ومن المرأة إلى صاحب السلطة والجاه، ويرفض الزيف والخداع، و يثور على الشر والمآسي،ليصل إلى نور اليقين والحق والإنسانية يقول :

« سيري قدمًا أيتها القافلة ، ماذا تركنا وراءنا ؟
لنمني نفوسنا شوقًا بالعودة إليه .
هكذا كان يناجي نفسه الشاعر الكبير أبو العلاء المعري .
...ما تركنا وراءنا إلا سلاسل وقيودًا
إلا رياء وغشًا وخداعًا ».

هدى قزع
«العرب اونلاين»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م