جدل موريتاني حول أحقية لقب « بلد المليون شاعر »

جدل موريتاني حول أحقية لقب « بلد المليون شاعر »

السبت 7 نيسان (أبريل) 2012 الساعة 20:26

تُوصف علاقة الموريتانيون بالشعر بـ" الحميمية" فهو خبزهم اليومي ورئتهم التي يتنفسون بها، حتى غدا لقب" بلد المليون شاعر" علامة مسجلة لهذا البلد دون منازع، فهو صاحب قصيدة البداوة والصحراء بامتياز. فهدير أمواج محيطها تُردد الأشعار وصدى رمالها تنشد القوافي، أما أطفالها فيرضعون الشعر من أثداء الأمهات. إنها موريتانيا.. حكاية عشق مع القصيدة تزيد على عشرة قرون، ارتفعت خلالها أشرعة الشنَاقطة في كل بحور الشعر، ناشرة الجمال شعراً وسحراً، زادها تألقاً حصولها على لقب آخر هو « لقب إمارة الشعر ».

وعلى الرغم من كل ذلك فقد ظهرت مؤخراً بعض الكتابات والآراء التي تُشكك بعدم دقة وواقعية مقولة « موريتانيا بلد المليون شاعر » مؤكدين بأن المسافة بين دعوى اللقب والواقع في الساحة الثقافية والشعرية الموريتانية لاتزال شاسعة، مستندين في ذلك إلى تواضع ما حققه المنجز الشعري الشنقيطي . حيث يأتي موقف رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين الشاعر محمد كابر هاشم، على رأس هذه المواقف المثيرة للجدل، بوصفه للقب بأنه « تدليلي » لا يُجانب الصواب! لكنه يظل رأي يُخالفه الطرف الآخر الذي يؤكد على أحقية هذه البلاد في اللقب، وهو ما يثير جدلاً في أوساط الموريتانيين، الذين انقسموا ما بين مؤيد ومعارض لهذه المقولة. وكالة أنباء الشعر تفتح ملف هذه القضية الشائكة .

البحث عن نشأة المقولة

تختلف الروايات حول صاحب مقولة « موريتانيا بلد المليون شاعر » لكن معظم الكتابات والمصادر تُجمع على أن أول ظهور لهذا اللقب كان عام 1967م، وذلك عندما وردت المقولة الشهيرة لأول مرة في مجلة العربي الكويتية من خلال استطلاع صحفي حمل عنوان" نواكشوط...أحدث عاصمة في أقصى منطقة من وطننا العربي" من خلال إسناد الكاتب هذه العبارة إلى محاوريه من المواطنين الموريتانيين، عندما قال:" وسألناهم: كم عدد سكان موريتانيا؟ فأجابوا: مليون شاعر..نعم فكل أهالي موريتانيا شعراء" وقد انتشرت هذه المقولة كالنار في الهشيم، بفعل الكُتاب ووسائل الإعلام التي استحسنت اللقب وأعجبت به، فشاع مقترناً بهذا البلد، ليأخذه بعد ذلك المشارق ويتناقلوه.

المؤيدون: اللقب استحقاق موريتاني

بعيداً عن مدى مصداقية هذا الحكم ودقته وواقعيته، إلا أن الأرض الشعرية الخصبة لهذا البلد، نجحت في الحفاظ على دولة الشعر الشنقيطية. وهو ما جعل المؤيدون يؤكدون على الاستحقاق الموريتاني لهذا اللقب عن جدارة، مستندين في ذلك إلى ما تمثله القصيدة بالنسبة للموريتانيين، حيث كان « إتقان الشعر » على رأس المميزات والشروط التي تُمكن صاحبها من اعتلاء مكانة هامة وسط محيطة القبلي والاجتماعي، بالإضافة إلى العلاقة الحميمة بين الشنقيطيين والشعر، الذي أنتشر بين السكان إنتاجاً ورواية واستشهادا، من خلال وجوده في الحياة اليومية في الأحاديث والأسمار والجلسات، فهو دون غيره يمتلك سلطة وسيادة اجتماعية وثقافية نادرة.حيثلا يناظره أي بلد عربي آخر.
ويشير مؤيدو هذا الرأي إلى أن الشعر لعب دوراً مهماً في النهضة الثقافية والأدبية الموريتانية، وهو ما دفع بعض النقاد – بحسب رأيهم- إلى تأييد هذا اللقب بعد أن وجدوا مدى العشق الذي يكنه هذا الشعب للشعر وولعه به.

المعارضون: اللقب" تدليلي" لايُجانب الصواب

في المقابل يرى الطرف الآخر، بأن المقولة لاتستند على تاريخ ملموس، حيث لعب الكُتاب والإعلام دوراً مُهماً في ترسيخ هذه المقولة، وأشاروا إلى أن اللقب يستند على ذلك الإعجاب الذي يخرج به زوار هذا البلد عن فصاحة أهلها وعشقهم الجنوني للشعر وكثرة تعاطيهم له.

فهاهو رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين الشاعر الكبير، محمد كابر هاشم يعتبر مقولة" موريتانيا بلد المليون شاعر" لقب تدليلي، موضحاً بأن المشارقة لم يكونوا مجانبين للصواب عندما أطلقوا هذا اللقب، مُعدداً في حوار له جملة من الأسباب المؤيدة لحكمه منها، أن هذا اللقب « تدليلي » حيث الألقاب التدليلية- بحسب كابر هاشم- لا تُقاس بالواقع ليُعرف مدى مطابقتها له. وقال" وإلا لكان علينا أن نتوقف عند تسميات مثل « مصر أم الدنيا » و" هبة النيل" و" باريس ..مدينة الأنوار" و" أم كلثوم كوكب الشرق" أو أن نتوقف عند الكلمة الذائعة التي أطلقها ابن رشيق القيرواني عندما قل" ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس".

وأضاف" هذا من جهة، أما ما نظنه سبباً لانبهار المشارقة بأدب هذه البلاد وبأدبائها فهو في اعتقادي راجع إلى أن الذين زاروا موريتانيا مفتتح الستينات وهي إذ ذاك لم تحدد من هي وماذا تريد، وكانت حينئذ مجهولة في المشرق وفي المغرب أيضاً، إضافة إلى أن المستعمر الفرنسي الذي خطط منذ القرن الـ19 لاقتطاع" بلاد شنقيط" عن امتدادها العربي والإسلامي وأستخرج لها من أحافير الرومان اسم موريتانيا ليكون علما على هذه الصحراء كالثور يضرب لما عافت البقر، هذا زيادة على بحر الرمال الذي يطوقنا ويحول بيننا وبين جيراننا الشماليين، كل هذه الأسباب جعلت إخواننا المشارقة لا يتوقعون أن يوجد خلف هذه الرمال القاحلة وفي كل هذه السياقات شعب يتمتع بما تمتع به الشعب الموريتاني من اهتمام باللغة والأدب وبحفظ للشعر وينتجه بجودة، فلذلك لا حظ الإخوة المشارقة أن الشعب الموريتاني حينئذ كان ما بين شاعر إنشاد أو شاعر إنشاء.."

ردود أفعال حول المقولة

وفي السنوات الأخيرة برزت العديد من ردود الأفعال لدى بعض النقاد حول هذه المقولة، مشيرين إلى أن الشعر الموريتاني لم ترافقه نهضة نشر تسويقية في العالم العربي، وقالوا بأن التراث الشعري لهذا البلد تعرض للضياع والاختفاء، تحت جملة من الظروف، بالإضافة إلى غياب الفعل الثقافي والشعري الموريتاني وتواري الشعراء في هذا البلد عن المشهد الشعري والإعلامي العربي، وكذا عدم تناسب الحضور والعطاء الشعري مع دوي لقب بلد المليون شاعر.

وبحسب الكاتبة سكينة أصنيب، فإن هذه المقولة لم تؤخذ مأخذ الجد من طرف الكتاب الأكاديميين في موريتانيا، حيث لم يعرض لها الدكتور محمد المختار ولد أباه في كتاب « الشعر والشعراء » كما لم يتطرق اليها الدكتور أحمد ولد الحسن في أطروحته عن « الشعر الشنقيطي في القرن 13ه » وخصوصاً حين توقف عند تسميات موريتانيا القديمة مثل: شنقيط وبلاد السيبة وبلاد التكرور وصحراء الملثمين، حيث لم يتطرق لاسم « بلاد المليون شاعر ».

وقالت الكاتبة بأن هذا التجاهل ، يوحي بعدم النظرة إلى هذه المقولة بعين الاعتبار والجدية، على الرغم من أن أطروحته أعدَت في نهاية الثمانينات بعد إطلاق هذه العبارة بحوالي عقدين من الزمن. وتُضيف كاتبتنا التي لها اهتماماتها في هذا الجانب" الأمر ذاته ينطبق على الأديب الخليل النحوي في كتاب بلاد شنقيط المنارة والرباط، ربما تجاهل أدباء موريتانيا لهذا اللقب هو اعتراف ضمني بعدم استحقاقه، وبالتالي التخلي عنه حتى لا يعلق بالذاكرة ويظل محل جدل دائم" لكن سكينة اصنيب ، تشير إلى أنه مهما كان تنازع الأسطورة والحقيقة داخل فضاء المقولة -حتى لو تم ترجيح الأسطورة- فإن مصداقية هذه المقولة تبقى حاضرة بشكل أو بآخر.

واختتمت بالقول" رغم إن المقولة مبالغة إعلامية محضة، فهي جديرة بالدراسة والتمحيص وبوقفات أخرى ترصد أبعادها حتى لا تظل في الهواء تتجاذبها أفواه المادحين أو القادحين بدون تبصَر"

إنها « لعنة الجغرافيا »!

من جانبه يرجع الشاعر الموريتاني أدي ولد أدب، أسباب عدم وصول الأدب والشعر الموريتاني كاملاً إلى العالم العربي، إلى ما اسماه بـ" لعنة الجغرافيا" ويشرح قائلا: « إن موريتانيا بلد بعيد جدا. كما أنه لا يساهم بنشر نفسه بنفسه، لأن وزارة الثقافة الموريتانية ليست على المستوى الذي يراد لها أن تكون عليه. وكذلك وسائل الإعلام الموريتانية لا تسلط الضوء على الشعراء والأدباء الموريتانيين على الرغم من أن العرب لم يعرفوا موريتانيا إلا من خلال الأدب ». من هنا يرى أدي ولد أدب في تصريح إعلامي له، أنه يقع على عاتق العرب مسؤولية اختراق حاجز المكان لاكتشاف الآفاق الموريتانية « البكر » كما وصفها. وإذا حدث ذلك فسيجدون « بلدا استثنائيا. ويضيف » لقد استطاع الشعراء الموريتانيون في القرون الثلاثة الأخيرة إحياء شكل القصيدة العربية القديمة في بحورها الطويلة مبتعدين عن التجنيس والصناعة اللفظية، فكانوا سباقين إلى التجديد خصوصا أن بيئتهم الصحراوية البدوية جعلتهم أقرب إلى فضاء الشعر".

« أمير الشعراء » يعيد بلد المليون شاعر إلى الواجهة

وفي مقال له،يشير عبد الله محمد عبد الرحمن، إلى أن برنامج أمير الشعراء، له الفضل في إبراز الصوت الشعري الشنقيطي المطمور في الصحراء، حيث شكل البرنامج فرصة جيدة للبوح الشعري الشنقيطي ليصل ويتواصل مع الجانب الآخر من اللغة والقصيدة.

ويحذر الكاتب في مقاله الذي حمل عنوان" القصيدة الموريتانية.. هل تتآكل ذاتياً" بان القصيدة في هذا البلد، ما لم تجد وسيلة تخرج فيها للآخر، تلتقيه ويلتقيها فإنها قد تشهد تآكلاً ذاتياً . وأضاف" من التناقض بمكان أن بلداً بهذا الحجم من الشعراء لا تُلاحظ فيه ذلك التأثير البارز للشعر والكلمة، والسبب هو أن الشعر يمارس في موريتانيا نوعاً من الترف الثقافي وأدوات الترفيه أكثر من استخدامه كقصيدة هم ورسالة"

المصدر : وكالة أنباء الشعر — محمد السيد


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م