السنوسي ومعضلة اختصاص القضاء

السنوسي ومعضلة اختصاص القضاء

الجمعة 23 آذار (مارس) 2012 الساعة 12:48

بقلم : د. عبدالمنعم الحر (أمين عام المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا)

إن فكرة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية اعتمدت على هدف تحقيق العدالة ، وعلى الاقتناع برفض الحصانة والإفلات من العقوبة عند مواجهة جرائم بشعة تؤثر على المجتمع الدولي .

كان مفهوم الاختصاص القضائي يمثل في العقدين السابقين قضية محورية في كثير من المناقشات حول القانون الدولي الإنساني.والسبب في ذلك بسيط : ففي عالم يلزم فيه المعاقبة على الجرائم الدولية من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ..كيف نحقق التوافق بين الاختصاصات القضائية الدولية واختصاص المحاكم الوطنية فى الحالات التي يكون فيها لكلا الاختصاصين صلاحية النظر في القضية ذاتها .

أكدت اللجنة المختصة بتحليل مشروع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أنها لم تقصد أن تحل المحكمة الجنائية الدولية محل المحاكم المحلية في الإجراءات الجنائية .ورغم ذلك فقد أقرت الدول خشيتها من أن يؤدي أي تعريف نظري إلى حدوث خلط ، وبالتالي إلى شل عمل المحكمة ، ولهذا نُص في ديباجة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 1) على ما يلي :

أولاً : نصت الديباجة – نظام روما الأساسي - وشددت على الطابع التكاملي للمحكمة الجنائية الدولية .

ثانياً : التأكيد على أن المحكمة الجنائية الدولية التي أَنشأت بموجب هذا النظام – نظام روما الأساسي – مكملة للقضاء الوطني .

القضية المطروحة الآن هي قضية المجرم عبدالله السنوسي الذي يعتبر المسؤول على مجزرة سجن أبوسليم سنة 1996م ،وكذلك مجرم مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جريمة حرب ضد الشعب الليبي في ثورة 17 فبراير.

للمحكمة الجنائية الدولية اختصاصان (اختصاص مكاني واختصاص زماني)، وللمحكمة الجنائية الدولية الحق في النظر في ثلاث جرائم هي"جريمة الإبادة الجماعية ،وجريمة الحرب، وكذلك الجريمة ضد الإنسانية « بشرط ارتكابها بعد دخولها حيز النفاذ .إن الاختصاص المكاني عامل ايجابي لتدخل القضاء الوطني الليبي، وكذلك هناك نقطة ايجابية مهمة أخرى ولصالح القضاء الوطنى الليبي تتمثل في الاختصاص الزماني ، فقضية سجن أبو سليم لا يجوز للمحكمة الجنائية الدولية النظر فيها، وذلك لأن المحكمة الجنائية الدولية ليس من اختصاصها النظر في الجرائم التي ارتكبت قبل دخولها حيز النفاذ سنة 2003 م، ومجزرة أبو سليم ارتكبت في سنة 1996م. فما السبيل لمحاكمته عنها ؟

أن صاحب الاختصاص الأصيل هو القضاء الوطني ولكن إذا توفرت فيه المعايير الدولية لإجراء محاكمات لمثل هذه القضية ….وهنا لا ينفع التفكير بالعواطف والقلب بل علينا النظر للقضية بواقعية وعقلانية .

فنحن لا نشككــ في نزاهة القضاء الليبي ، ولا نشككــ في استقلاليته ، ولا في رغبته لإجراء محاكمة للسنوسي …ولكني اشككـ في مقدرة القضاء الوطني »للأسف" لإجراء هذه المحاكمة في هذه المرحلة . هذا ناهيك عن أن الآليات الوطنية لحماية حقوق المتهم لم يتم تقنينها بعد وذلك لعدم وجود دستور للبلاد حتى هذه اللحظة .

ولا يجوز للقضاء الليبي الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بحجة أن ليبيا دولة لم توقع على نظام روما الأساسي، وذلك لأن مجلس الأمن هو من أحال (ملف )القضية إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية …وليبيا دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة الذي يعتبر مجلس الأمن آلية من آلياتها وهو صاحب الاختصاص الأصيل بالتدخل في حالة تهديد الأمن والسلم الدوليين وهذا ما حصل في ليبيا عند إحالة هذا الملف لاوكامبو …

ولا يجوز التمسك بالدفع لتسليم السنوسي طبقاً لاتفاق الرياض الذي ينص على تسليم المجرمين بين الدول العربية وذلك لأن الاتفاق مبرم في جامعة الدول العربية وهي منظمة إقليمية دورها مكمل للأمم المتحدة ولمجلس الأمن الدولي صاحب الاختصاص الأصيل بالنظر في الجرائم التي تهدد السلم والأمن الدوليين. كل هذا من ناحية .

ومن ناحية أخري لا تستطيع موريتانيا تسليم عبدالله السنوسي للسلطات الليبية لعدة اعتبارات أهمها :

1- عبدالله السنوسي مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جريمة حرب ضد الشعب الليبي وهي جريمة من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

2- القضاء الوطني الليبي غير قادر على إجراء محاكمة عادلة تتوفر فيها المعايير الدولية للتقاضي وذلك بسبب ظروف المرحلة ولو كان بالإمكان لتمت محاكمة « سيف » الجاني الآخر بنفس القضية .

3- على دولة موريتانيا غير الموقعة على نظام روما الأساسي تقع إلزامية تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية لأنها عضو بمنظمة الأمم المتحدة المنظمة الأم.

4- أن المادة 13(ب) من نظام المحكمة الجنائية الدولية بشأن إطلاق التحقيقات "في حالة الإحالة من مجلس الأمن - كما في الحالة الليبية – يجوز أن تشرع المحكمة في التحقيقات حتى في حالة عدم قبول الدولة الوطن والدولة صاحبة الإقليم لاختصاص المحكمة .

5- ليس من صالح دولة قطر ولا الدول الغربية محاكمة السنوسي داخل ليبيا لعدة أسباب كلنا نعرفها .

وعليه ندعو أصحاب الاختصاص و المسئولين إلى:

العدول على فكرة مقاضاة السنوسي عن طريق القضاء الوطني فقط لأن حجتنا ضعيفة جداً، إلا أذا سُيست القضية، وعلينا أخد خير الأمور وأوسطها، والتي تتمثل في المطالبة بإنشاء محكمة مشتركة بين القضاء الليبي والقضاء الدولي ، بشرط أن تقام المحكمة على الإقليم الليبي .

وبهذا يستطيع القضاء الدولي النظر والتحقيق في قضية جريمة الحرب أو ضد الإنسانية التي ارتكبت بحق الشعب الليبي، والتي تدخل في اختصاصه الزمني ، ويستطيع القضاء الوطني النظر والتحقيق في مجزرة سجن أبوسليم والتي لا تدخل في الاختصاص الزمني للمحكمة الجنائية الدولية .

د. عبدالمنعم الحر
أمين عام المنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا .
الباحث في القانون الدولي بمعهد البحوث والدراسات العربية .


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م