السؤال المحير يبقى دواما هو لماذا كل هذا البؤس في بلد الشعر والمعادن والبحر والتمر

السؤال المحير يبقى دواما هو لماذا كل هذا البؤس في بلد الشعر والمعادن والبحر والتمر

السبت 10 آذار (مارس) 2012 الساعة 10:32

بقلم : د.حماه الله ولد السالم

تُعرف موريتانيا عربيا باسم بلد المليون شاعر، لكنها تشتهر أيضا بأنها أرض المعادن المتنوعة والأسماك الوفيرة.
غير أن المواطن العربي ـ رغم كل ذلك ـ لم يجد دورا للحديد الموريتاني في صناعة الصلب العربي ولم يتمتع بأكلة لذيذة من السمك الموريتاني على موائد المطاعم العربية.

لقد ظل الحال على ما هو عليه في هذا البلد العربي القصي، منذ نصف قرن مضت على إعلان الاستقلال.
وبالطبع حدثت تغيرات وتبدلات في بعض مناحي الحياة، وكان لا بد لشيء من ذلك أن يحصل، في بلد متخلف يحوز مقدرات طبيعية هائلة.
لكن المتابعين للشأن الموريتاني، يقفون في حيرة بالغة تجاه تردّي مستوى معيشة سكان موريتانيا وغياب العمران في بلد ينقصه كل شيء إلا المساحة الممتدة من دون عوائق طبيعية.

الأمل الكاذب
يقال إنك إذا أردت تخدير شعب وإلهاءه عن حقوقه، عليك أن تعطيه جرعة مضاعفة من الأمل، يعيش عليها سنين متطاولة ثم تزيد من درجة الجرعة، فيصل درجة التخدير، ويصبح معتادا على انتظار الفرَج وهو عبادة في القول المأثور، لكنه في موريتانيا حالة سيتطاول أمدها ويمتد ظلها، حيث الحكومات تذهب وتأتي، وكل شيء باق على حالته الأولى، الحاكمون يقتتلون أو يتخاصمون، هناك في أعلى هرم السلطة، حيث السلطة في حركة دائبة، تتجدد من الداخل تُغيّر جلدها، أو حتى رأسها لكنها باقية كما كانت. ومقابل هذه الحركية الدائمة، والدورية أحيانا، رتابة قاتلة في أحوال المجتمع بمختلف شرائحه ومجموعاته الأهلية، ومظاهر البؤس والتباؤس والجهالة والرداءة الفكرية والمؤسسية والاجتماعية التي تعشش في كل مناحي الحياة.

الجميع يشعرون بالهوان والخوف من المستقبل، ما انجر عنه مزيد الريبة والحقد والمرارة بين الناس، رغم صبرهم على ظروف الحياة وقدرتهم المدهشة على التكيف مع صروفها وتغيراتها تماما كما كان أسلافهم يصبرون ويتكيفون مع الصحراء مناخا ورمالا.

سَوْف و سَوْف
قام بعض أرباب القلم ذات يوم بإحصاء أعداد كلمة (سوْف) في نص الخطاب السنوي لوزير أول أسبق أمام البرلمان الموريتاني، فوجد أن النسبة فاقت الثلاثين بالمائة من الكلمات الأساسية في نص الخطاب كاملا!

تكررت كلمة (سوْف) في خطب رؤساء حكومات متعاقبة وبنسبة لا تقل عن مثيلتها في خطب زملائهم السابقين، ليتكشف الحال عن حقيقة غريبة وعجيبة هي أن (سوف) هي المفتاح السري للبناء البلاغي المتدهور بالطبع للخطب الحكومية الرسمية المقدمة أمام البرلمان.
عرف الموريتانيون أن سياسة حكوماتهم هي من قبيل التسويف، لأن المكتوب يقرأ من عنوانه كما يقال، ولان النتائج كانت في الغالب، صفرا إلى الشمال، وما كان لها أن تكون غير ذلك، لأنها نتيجة لسياسة سوْف وسوْف!

ولكن الأخطر والأدهى والأغرب والأعجب أنك حين تلقى مسؤولا موريتانيًّا، من الهيئة البيروقراطية، تجده محنيّ الظهر مكدودا تعبا، من تلك الأعمال المكتبية « المهولة » التي يمضي في إنجازها النهار بطوله من الفجر إلى الغروب. ويحدثك عن مئات الملفات المعقدة التي تتعلق بكل مرافق الدولة، يجري إكمالها وإتقانها، وقد يكون صادقا محقا، لكنك لن تجد أي صلة واقعية بين ما يعمل وبين حياة الناس في المدن والقرى والأرياف.

وسيبدو لك ذلك كما لو كان انقطاعا بائسا ومخيفا بين الدولة والمجتمع، بات يتحول في نفوس الشباب إلى شك في مصداقية المؤسسات العامة، بدء بالجامعة وانتهاء بالوزارة ويستحيل في عقلية الموريتانيين قناعة بأن ما يجري في بلدهم هو من قبيل السينما، أو ما يترجمه البعض بالخيالة، ولذلك ما عادوا يصدقون أحدا.

وهو تشاؤم يقابله اقتناع رسمي غير معلن بان البناء في بلد مهدد بالضياع، خطة لا غناء فيها وعمل بلا طائل، وهو رأي كثيرين من أهل الحل والعقد،ما يشي بأزمة حقيقية داخل هذا البلد وفي بنية دولته.
عبر تاريخها الحديث كانت البلاد الموريتانية خضع لسلطة أهل الشوْكة الذين يحكمون بالقوة وتحت سلطان الدين الذي يفسره ويوجهه رجال الدين من قبائل الزوايا.

وهي ثنائية تحولت بعد الاستقلال، ومسار التاريخ السياسي الموريتاني المعاصر، إلى ما يشبه الصراع بين نخبة الاستقلال المدنية ونخبة الانقلاب العسكرية، تلك ترفع شعار الحداثة وهذه تقدم وعود حفظ السيادة والأمن.
أدى المسار القلق الذي تسير فيه موريتانيا إلى اقتناع العسكر بأنهم إذا أردوا الحكم فعليهم المرور من بوابة الاقتراع، وقد كان، لكن قواعد الحكم ما تزال على أسسها الأولى التي وضعت منذ عقود، وهي أن يحكم الجيش ويستعمل التقنوقراط، أو يجيّش القيادات القبلية والتجارية.

ارتكبت النخبة المدنية، التقليدية ـ القديمة، وتلك الجديدة الشابة « النظيفة »، أخطاء فادحة حين اقتنعت بانتخابات كانت حقا شفافة ونزيهة، لكنها عمليا جرت في ظل اختلال التوازن بين المتنافسين لان من يحكم يأوي إلى ركن شديد، والناس تبع للقوي في دولة تحتكر أدوات الحياة وموارد العيش.
لكن السؤال المحير يبقى دواما هو لماذا كل هذا البؤس في بلد الشعر والمعادن والبحر والتمر وأشياء أخرى جميلة وعظيمة؟

د.حماه الله ولد السالم
كاتب موريتاني


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م