قل سموهم...

قل سموهم...

الثلاثاء 6 آذار (مارس) 2012 الساعة 18:40

بقلم : الدكتور محمد إسحاق الكنتي

قال الجاحظ: « البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان... » (البيان والتبيين).

ينطبق تحديد الجاحظ هذا على « الحزب يدين حرق المصحف الشريف ويدعو إلى التحرك لنصرة الأقصى (بيان) »، فقد كشف قناعا، وهتك حجابا، وأفضى بالسامع إلى حقيقة المواقف الجديدة التي ينادي بها « الإسلاميون الجدد. »

تبين هذه المواقف بشكل جلي من خلال منطوق البيان، الذي يكتفي بإدانة حرق المصحف ليتخلص سريعا إلى الدعوة إلى التحرك لنصرة الأقصى، في إشارة واضحة إلى أن هدف البيان ليس التحرك لنصرة أولئك الذين يتظاهرون منذ أسابيع دفاعا عن القرآن، وإنما ذكر حرق المصحف رفعا للحرج فقط.

لقد كانت المعارضات، ومنها الإخوان، يتندرون على القمم العربية التي تكتفي ببيانات الشجب والإدانة، فأصبحوا يمارسون نفس الفعل، مع فارق مهم، هو أن تلك القمم كانت تسمي أمريكا باسمها، وتغض أمريكا الطرف عن حلفائها الذين يصرحون بإدانتها، لكن حلفاءها الجدد أهون عليها من أن تسمح لهم بذلك!

يقول البيان:

(يتعرض الإسلام اليوم لهجمة شرسة على رموزه ومقدساته، ففي حين يشهد المسجد الأقصى المبارك منذ أيام عدوانا سافرا وغير مسبوق من قبل قطعان المستوطنين اليهود الذين يحاولون تدنيسه والمس من قدسيته الضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي والبشري، طالعنا جنود « ايساف » وفي تحدي سافر لمشاعر المسلمين بتدنيس وحرق المصحف الشريف، في تصرف غير أخلاقي وعمل جبان ينم عن حقد أصحابه الدفين وجهلهم بالدين الإسلامي، (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)." وتأتي هذه الأحداث الخطيرة في ظل صمت مطبق وتجاهل فاضح من قبل دول العالم عموما والدول الإسلامية خصوصا وهي ترى المصحف الشريف يحرق والمسجد الأقصى المبارك يتعرض للتهويد والإرهاب من قبل الصهاينة أعداء الدين والحق والإنسانية. ونحن في التجمع الوطني للإصلاح والتنمية إذ ندين هذه التصرفات الخرقاء ونستغرب صمت العالم على هذه التجاوزات الخطيرة ، فإننا نؤكد على ما يلي:

1- شجبنا لعملية التهويد التي تستهدف المسجد الأقصى المبارك ، ودعوتنا الحكومات الإسلامية للتحرك العاجل لمنع ذلك, ودعم المرابطين الصامدين في المسجد الأقصى ومدهم بكل الوسائل التي تعينهم على صد الهجمات الغاشمة من قبل المستوطنين اليهود

2- إدانتنا القوية لما أقدم عليه جنود « ايساف » من تدنيس وحرق للمصحف الشريف.

3- دعوتنا الشعب الموريتاني إلى التحرك نصرة للأقصى ورفضا لعملية تدنيس المصحف الشريف, وتجسيد ذلك من خلال المشاركة الواسعة في الوقفة التي سينظمها شباب « تواصل » أمام السفارة الأمريكية ، يوم الخميس الموافق 01/03/2012 الساعة الحادية عشر صباحا .

نواكشوط بتاريخ 29 فبراير 2012 م

الموافق 07 ربيع الثاني 1433ه

اللجنة الدائمة )

يختلف نص البيان عن عنوانه، من حيث التقديم والتأخير؛ ترد إدانة حرق المصحف عنوانا للبيان، قبل الدعوة إلى نصرة الأقصى، لكن البيان يتحدث عن الأقصى أولا، وقطعان اليهود، في لهجة قوية ما تلبث تفقد حرارتها لتصبح خجولة، أقرب إلى التأتة والعي، حين يتعلق الأمر بحرق المصحف، عنوان البيان! « ...،طالعنا جنود »إيساف"..." هكذا بكل بساطة، يساق الأمر في سياق الكلام بهذه العبارة الرخوة التي لا طعم لها لركاكة مبناها، وغموض معناها، إذ لا تنبئ عن حالة غضب وإدانة للفعل، كأن صاحبها يروي خبرا هامشيا يكمل به نشرة متفرقات حول العالم!

تستمر شحنة اللغة في الانحدار بتأخير الفاعل، الذي تم حذفه في عنوان البيان، وحين لا يجد كتبة النص بدا من ذكره، طبقا لقواعد اللغة، يسمونه بغير اسمه: « جنود إيساف »! لكن وكالات الأنباء كلها، والإذاعات المسموعة والمرئية، بما فيها الأمريكية، تسند فعل حرق المصحف إلى « ضابط أمريكي، في قاعدة باغرام الأمريكية ». لم ينكر الأمريكان نسبة الفعل إلى جنودهم، وإنما قدم الرئيس الأمريكي اعتذارا رسميا عن ذلك! فهل يتحدث البيان عن حدث مختلف اجتمع فيه الجنود الأتراك، والأردنيون، والفرنسيون، والبريطانيون، و.... ثم الأمريكيون، وحرقوا المصحف!

سبحان الله! ألا يعلم كتبة البيان أن ضابطا أمريكيا هو من أحرق المصحف، وليست هذه هي المرة الأولى التي يدنس فيها الأمريكان كتاب الله، فلماذا التنديد بإيساف تدليسا على المسلمين، وتبرئة للأمريكيين! صدق الله العظيم، حين يدمغ الذين يدعون آلهة من دونه.."... قل سموهم..." (النجم 33) فالمشركون لا يسمون أصنامهم بأسمائهم الحقيقية، وإنما يخترعون لهم أسماء يموهون بها على الناس؛ فاشتقوا العزَّى من العزيز، واللات من الله، بينما أسماؤها الحقيقية حجر وشجر، لكن لا أحد يستطيع أن يصرح بأنه يعبد حجرا وشجرا! ولذلك كشف الله بطلان أسماء الزخرف الهادفة إلى طمس الأسماء الحقيقية فقال: « إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان » (النجم 33)، وقس على ذلك الدولة المدنية، والوسطية، والعدالة والتنمية، والتنمية والعدالة، والتنمية والبناء...

إن الغرض من إدانة جنود « إيساف »، البريئين، هو التغطية على إجرام الجنود الأمريكيين. لقد سيق كتبة البيان إلى هذه الإدانة كما يساقون إلى الموت؛ جاءت متأخرة بأسابيع عن موضوعها، وتمت صياغتها بحد أدنى من التعبير عن الاستنكار، فقد وصف فعل حرق المصحف بأنه « غير أخلاقي... »، تماما مثل تجاوزك دورك في الطابور، أو التلفظ بعبارة نابية، أو إطلاق منبه السيارة قرب المستشفيات!

وحين يعلل البيان تصرف « جنود إيساف »، يرجعه إلى « حقد دفين وجهلهم بالدين الإسلامي،... » وكأنه يقول :"اللهم اغفر لجنود إيساف فإنهم لا يعلمون."! لكن « جنود إيساف من الأردنيين، والأتراك يعلمون، وإحراقهم للمصحف ليس عملا لا أخلاقيا، في حقهم، وإنما هو كفر صريح!

ينتهي البيان بتصفية حسابه مع الفاعل المزعج، حين يتذكر كتبة البيان أن في لغة القرآن صيغة مباركة تمكن من إغفال الفاعل تماما ليصبح الفعل مبنيا للمجهول.. »... المصحف الشريف يحرق...". أخيرا وجدنا جملة صحيحة، مبنى ومعنى، لا ضرورة لذكر الفاعل فيها، لا بالتلميح ولا بالتصريح.. جملة مفيدة تقيد الفعل ضد مجهول، وتسمح لمن يعرف الفاعل بالتستر عليه.. أليست البلاغة في إيراد المعنى الجليل في القول القليل، وذكر الفاعل هنا ضرب من الحشو السمج الثقيل.. فكم من معنى عبر عنه كتبة البيان حين بنوا الفعل للمجهول: لا نريد، أو لا نستطيع، أو كلاهما، إدانة أمريكا! لماذا؟ لأنهم أصدقاؤنا، أو لأننا نخافهم، أو للسببين معا... عبَّرنا عن ست معان بحذفنا للفاعل، ولو ذكرناه لبدت الجملة فقيرة! يستمر البيان في التماس الأعذار لجنود إيساف، ويضيف إليهم قطعان المستوطنين اليهود، حين يصف ما أقدموا عليه بـــ"التصرفات الخرقاء"! فالأخرق لا يحاسب على أفعاله، خاصة إذا كانت مجرد « تجاوزات خطيرة... »، يمكن تجاوزها دون خطورة... لعل أغرب ما في « البيان » هو صياغته التي تدشن شكلا جديدا من القول السياسي يحاول أن يسجل مواقف لصالحه تربطه بمواقع بنى عليها ما يمتلكه، وما يدعيه من شعبية، وقد نزح عنها الآن إلى الضفة المقابلة. فلم يعهد عن الحزب العتيد التحفظ الشديد في بياناته، و تنظيره، وتصريحاته. فحين تعلق الأمر بالأزمة الليبية اتهم رئيس الحزب مواطنيه الموريتانيين صراحة بأنهم مرتزقة يقاتلون في صفوف الكتائب. وحين استتب الأمر لثوار النيتو، صرح أحد نواب الرئيس، بعد زيارته لليبيا، أنه لم يجد سجينا موريتانيا واحدا في سجون الميليشيات، على كثرتها. وهذا يعني أحد أمرين: إما أن ثوار النيتو يجهزون على الأسرى، كما رأيناهم يفعلون، أم أنه لم يكن هناك مرتزقة موريتانيون أصلا!

يسكت البيان عن أولئك الأفغان الشجعان، الذين سقطوا برصاص جنود إيساف، وهم يتظاهرون ضد حرق المصحف! قتلوا وهم يكبرون، غضبا لله، ودفاعا عن كتاب الله، فلم يذكرهم أحد من أولئك الذين يصفون من أحرق نفسه غضبا لطاولة خضار، أو قتل وهو يهتف « الشعب يريد إسقاط النظام »، بالشهداء! ويحرض الشباب الموريتانيين على أيام غضب لا تنتهي لأن معهدا أصبح جامعة! ويستخدم خطباء المساجد لحث المسلمين على النفير مع « ثوار غليون »، الذين يوالون النصارى ويترحمون عليهم. فقد شاهدنا ذلك « الثائر » من حي « بابا عمرو المجاهد » يقول: « رحم الله رينييه وتغمده فسيح جناته. » والله يقول: « ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم » (التوبة 113). قال القرطبي:"هذه الآية قطعت موالاة الكفار حيهم و ميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين. فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز." و قال العلامة ابن عثيمين في الشرح المختصر لبلوغ المرام: الكافر لا يجوز أن يصلى عليه ولا أن يدعى له بالرحمة ولا بالمغفرة ، ومن دعا لكافر بالرحمة والمغفرة فقد خرج بهذا عن سبيل المؤمنين ، لأن الله تعالى قال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم). «  رحم الله أولئك الشجعان الذين عاشوا أعداءً لأمريكا وماتوا على ذلك العداء المعلن على رؤوس الأشهاد. فقد صدع عبد الناصر بقوله الشهير »فلتشرب أمريكا ماء البحر!"، ووصفها الخميني بالشيطان الأكبر، وخاطبها صدام في شموخ.."فلتخسأ أمريكا!"، وأهانها معمر القذافي حين ردد على مسامع العالم.."طز في أمريكا!"... أما اليوم، فلم يعد قادة « ثورات الربيع العربي » قادرين على التصريح باسمها في بيان إدانة لم يتجاوز قراؤه العشرات!! لقد كان أصحاب البيان في موقف حرج؛ إما السكوت عن الحق، أو إصدار بيان أعيى من باقل... قال ابن جني:" باب في الحمل على أحسن الأقبحين..

« اعلم أن هذا موضع من مواضع الضرورة المميِّلة. وذلك أن تحضرك الحال ضرورتين لا بد من ارتكاب إحداهما، فينبغي حينئذ أن تحمل الأمر على أقربهما وأقلهما فحشا. » (الخصائص). فبدا لهم أن « بيان إيساف » أقل فحشا من صمت نائلة، الذي التزمه اتحاد القرضاوي، و إن اشتركا في الإثم...

الدكتور محمد إسحاق الكنتي


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م