شعارات الثورات العربية تكاد تكون كلها شعرية

شعارات الثورات العربية تكاد تكون كلها شعرية

الخميس 1 آذار (مارس) 2012 الساعة 14:23

الشاعر الموريتاني أحمد نوح ولد محمد فاضل، من مواليد العام 1979، في « أم لمحار »، وهي قرية تابعة لمقاطعة تامشكط، غرب العاصمة نواكشوط، حيث ولد في تلك المنطقة النائية، وتربى لتنضج تجربته الشعرية التي ولدت معه بالفطرة، وبعد قراءته لكبار الشعراء في الوطن من أمثال: ولد « أعمر محم »، وولد هدار، وغيره، تم نَضجت التجربة لديه.

الأمر الذي جعله يتعلق بالشعر « الحساني » الذي يحمل كل الدلالات التاريخية لبلاد شنقيط، وعادتها وتقاليدها وقيمها النبيلة، غير أن المسابقة التي تعتبر فريدة من نوعها في موريتانيا ، البداع، أعادت روح الأمل من جديد للنهوض بالأدب الحساني، حيث توج شاعرنا وقد توج أحمد نوح بلقب البداع.

« العرب اليوم » التقته في نواكشوط، وأجرت معه هذا الحوار الحصري، فإلى التفاصيل:

* كيف ترى واقع الأدب في الوقت الراهن، وما هي الإسهامات التي يمكن للأديب تقديمها في ظل الربيع العربي؟

بخصوص سؤالكم عن واقع الأدب اليوم، فإنني أعتقد أنه ظل مُقَاِومًا وحتى قبل كل إرهاصات الثورات العربية الحالية، فقد دخل الأدباء والكتاب العرب في صراع دائم مع الحكام، في الوقوف أمام الظلم والاستبداد، والوصاية الأجنبية، والمؤامرات المفرقة للمجتمعات والشعوب، وإن ظل البعض منهم يحمل أفكارًا تميل إلى الموالاة والتطبيل، إلا أن أولئك، كما هو معروف، حرموا من الاحتفاء بنصوصهم لانعدام الثقة بينهم والجماهير.

كما تتجدد مقولة أن الأدب لا يموت من خلال هذه النهضة العربية، أو الربيع العربي، الذي ظل الشعر مواكبًا له، ومصدر إلهام ورافدًا من روافد صناعة الحياة، خصوصًا أن هذه الثورات تنادي بما بات مطلبًا لنخبة الأدباء، فشعارات الثورة تكاد تكون كلها شعرية، فلا زالت بصمات الشاعر أبو القاسم الشابي، تتجدد من خلال (إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر)، ورائعة كمال الشناوي (أنا الشعب لا أعرف المستحيلا)، وغيرها من الشعارات التي تهاوت أمامها الدكتاتوريات، التي ظلت جاثمة على صدور المواطن العربي عشرات السنين.

أما الأدب اليوم فهو أدب ثائر يمتطى وسائل جديدة وسريعة، تضع النصوص أمام الملايين، من خلال العولمة والحلول في الواقع، عبر مراكز التواصل الاجتماعي « فيس بوك » و"تويتر"، وغيرهما، وهي تضحيات لا تتوقف، بل على مدار الساعة، تمثل ميزة يختص بها السلاح الأدبي عن غيره من الوسائل الأخرى، التي تتأثر بالوقت، مثل المظاهرات الآنية والاعتصامات التي تحتاج أكبر قدر من التنظيم، بل وخلد الشعراء اليوم شعارات أخرى أبدعها الربيع العربي، من خلال تضمين عبارات وجمل خالدة مثل: (الشعب يريد إسقاط النظام).
الشَّعْبْ إلىَ حكْمُ طَلْبُ *** ماَ تُفَسَّرْ كِيفتْ الاَحْلاَمْ
واَضحْ ماَهُ لُغْزْ الشّعْبُ يُرِيدُ إِسْقاَطْ النِّظاَمْ

* وما هو الإبداع بالنسبة لـ أحمد نوح.. وهل هناك إقبال على الأدب بمختلف مجالاته، أم هناك ابتعاد ونفور من طرف الشباب الموريتاني خاصة، والعربي عامة؟

أما بخصوص سؤالكم المتعلق بنظرتي لمفهوم الإبداع، ومدى ثبات الأغراض المعروفة أمام تطور الإبداعات الشبابية اليوم، فإنني أرى أن الجواب على الشق الأول من السؤال يتطلب منى التأكيد على أن الإبداع بالنسبة لي يجب أن لا يظل حبيس المثالية والتعقيد، الذي يجعل الشاعر ينتظر سنواتٍ ليكتب نصًا يتماشى وروتين ما يمكن أن نسميه البيروقراطية الأدبية.
لكنه في المقابل يجب أن لا يحصل التسيب فى كتابة النصوص، فننتقل من أدبٍ وجدانيٍ ذاتيٍ إلى أدبِ السوقيةِ واصطناع الأغراض، بل إنه من الضروري أن يشاع في الأدب التمييز بين الثوابت والمتغيرات، ويتعين هنا ألا يحصل تنازل عن عناصر الإبداع المعروفة: المرونة، والطلاقة والأصالة، التي يمكن اعتبارها حرزًا ضد التكلف والصنعة، والاندفاع أمام دروب الإبداع الزئبقية، التي يجب أن تحكمها علاقةٌ وطيدةٌ بالإرث الثقافي والأدبي، تعبد الطريق نحو المعاصرة.
إلا أن هذا الميزان وحده قد لا يكفى للتعبير عن معنى الإبداع، بل إنه ، في نظري، يمكن تعريفه تعريفاتٍ تختلف حسب المجتمعات، بل وحتى بين أنماط الأدب داخل المجتمع الواحد، فعندما نتحدث مثلا عن الإبداع كمفهوم بالنسبة للغة العربية الفصحى، وانطلاقًا من تعريفاتِ النقادِ الموريتانيين مثلا، نجد أنه يختلف التعبير عنه إذا ما أردنا تعريفه عندما نتحدث عن الشعر « الحساني »، الذي هو شعرٌ يعبر عن خصوصيات الموريتانيين، فنجد أنه يختلف اختلافًا ملموسًا، من خلال الشكل، ومن خلال المضمون، عن الإبداع في الشعر العربي الفصيح.
وأعتقد أن (نصًا من الشعر الحساني يحمل فكرةً تَخْدمُ واقعًا معينًا، يلامس مشاعر صاحبه، ليس توأمًا لنصٍ سابقٍ، ويرتقى بمضمونه عن البحث له عن غطاءٍ أو غمدٍ، يشفه له جماله، هو نص يستحق صفة الإبداع).
أما الشباب العربي اليوم، فإني أرى أنه لا يزال يطرق بكتاباته كلَ الأغراضِ الأدبية، وإذا كان الشباب يُتَهَمُ بأنه يختفي خلف النصوص الغزلية، لكونها مجالًا خصبا للشعر الوجداني، فإن حضور مختلف الأغراض في برنامج أمير الشعراء، وشاعر المليون، وبرنامج البداع، وسباق القوافي، وغيرها من البرامج الشعرية، أثبت أن كل الأغراض المعروفة لم تتهاو بعدُ أمام المعاصرة حتى الآن.

* وما هي، في رأيكم، أكبر المعوقات التي تقف اليوم أمام الأديب؟

المعوقات التي تحول دون الارتقاء بالأدب كثيرةٌ للأسف، وهي تختلف من بلدِ إلى آخر، وأرى أنه يجب أن تتواصل تلك العصامية التي يتمتع بها الكثير من الشعراء، وأن يظلوا صامدين أمام كل الضغوطات، ومصادرة الأفكار والنصوص، خصوصًا عندما نجحت تجربة القنوات والوسائط التي وفرتها العولمة، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن أصعب المعوقات التي تحول دون تبليغ رسالة الأدب هي ظهور بعض الشعراء على الأضواء، واستبعاد شعراء قد يكونون أكثر إبداعًا وتأثيرًا من الذين أتيحت لهم فرص الظهور، ولعل هذه من العوائق التي تحول دون رسم ملامحَ واضحةٍ للتغيير والإبداع، في المجتمع العربي بصفة عامة.

* أيهما الأقرب إليك بصفتك شاعر.. الشعر الفصيحُ أم « الحساني »؟، وما أوجه الاختلاف والائتلاف؟

عن سؤالكم حول أيهما أقرب بالنسبة لي، الشعر الفصيح أو الحساني، حقيقة كنت أتمنى أن تعززوهم بثالث، ألا وهو الشعر النبطي، فأنا أشعر بقرب الشعر الفصيح، وكذلك النبطي، لكنني أحس بانعدام المسافة بيني وبين الشعر الحساني الذي أكتبه، حيث أنني أحرزتُ لقب « البداع »، وهو لقب خاص بالشعر « الحساني »، وهي المرتبة الأولى، وتوازي في الشعر النبطي شاعر المليون، وبذلك مساواته بغيره أعتبرها تنكرًا للذات.
وأما نقاط التلاقي بين الشعر الحساني والعربي الفصيح، فإنها تتضح من خلال العلاقة الحميمة بينهما، والتي لا تخفي من خلال الشكل والمضمون كذلك، خصوصًا إذا علمنا أن موريتانيا، التي هي بلاد المليون شاعر، تتكلم لهجة هي من أقرب اللهجات للغة العربية، وهي اللهجة الحسانية، وفيها يبدع شعراءُ اللغةِ الحسانية، متناولين كل الأغراض التي تزينها المحسنات نفسها، التي يعتمدها شعراء اللغة العربية الفصيحة، ولنفس الأغراض.
ومن هنا يمكن أن نقول أن نقاط تلاقٍ كثيرة تجمع الشعر العربي الفصيح بالشعر الحساني، قد لا تكفيها مقابلة واحدة، أما نقاط الاختلاف بينهما فلا تعدو أن تكون نابعة من خصوصيات الموريتانيين، التي تعبر اللهجة الحسانية وشعرها عنها بشكل أكثر وضوحًا، فعندما نتحدث مثلًا عن خصوصية ضرورة الاختصار، في كتابة النصوص الحسانية، نجد أنها نابعة من طبيعة المجتمع البظاني.
ذلك المجتمع الذي ظل يشمئز من الإطناب، حتى وصل به ذلك إلى نقده في الشعر خصوصًا، إذا تعلق الموضوع بعدة أغراض، أكثر حظًا في الكتابة مثل الغزل والبكاء على الأطلال، والمساجلات،( لكـطاع) بل وتغليب جودة الكـاف الواحد (البيت) الحساني، على طلعة (قصيدة) بأكملها نظرًا لاختصاره، وحتى عيوب الكــفان التي تكون أكثر من 4 « تيفلواتن »، وغيرها من مواقع ضرورة الاختصار الذي أحيانا يكون إلزاميا.
ويمكن الوقوف على عدة نقاط من الاختلاف، بينهما تفسرها طبيعة الموريتانيين، حيث يخلد الشعر ذاكرة المجتمع وأمجاده، وهو اختلاف لا يقتصر على الجوهر والفكرة بل على الجانب الشكلي كذلك، من خلال القوالب الفنية الحسانية « الكــاف » و"الطلعة" و"الكرزة" و"اتهيدينه"، وكذلك على مستوى الأوزان فلا يخضع الشعر الحساني لتفعلة محددة، كما هو الحال بالنسبة للشعر الفصيح، بل يعتمد على المتحركات والتي تعتبر الأداة العروضية الوحيدة وإن أشركت معها في بعض (لبتوته) « الكدعات » أي التقاء السواكن.
هذه على سبيل المثال صور من نقاط الاتفاق والاختلاف بين الشعر العربي الفصيح والشعر الحسانى، وفي النهاية أشكر موقع « العرب اليوم » على هذه الاستضافة الكريمة، التي أتاحت ليّ الفرصة، لتوضيح بعض الأمور المتعلقة بالجوانب الأدبية، التي تكثر التساؤلات حولها.

المصدر : «العرب اليوم»


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م