سمات النضال في الخطاب السردي النسوي

سمات النضال في الخطاب السردي النسوي

الأربعاء 29 شباط (فبراير) 2012 الساعة 11:11

بقلم : تربة بنت عمار

تتزامن كتابتي لهذه السطور مع احتفالية عيد المرأة الدولي. وبما أننا لا نستبين سببا واضحا للمرأة العربية لكي تحتفل بهذا اليوم بالذات من كل سنة إلا إذا وضعنا في الحسبان عامل المحاكاة والتأثر بالآخر، ومجاراة الأمم الأكثر تقدما، فنشارك نساءهن أعيادهن وأفراحهن ونحن ما نحن معهن من بون أي الأخريات اللواتي لبسن الجديد ورددن النشيد!. نشيد الحرية بحناجر لم تعد مبحوحة منذ عهد « الأنوار » ونهوض أروبا من سبات عصور الظلام –رغم افتقار تلك الحرية لمنهج مستقيم-.

إن المرأة العربية-ورغم ما حصلت عليه مقارنة بالقرون الماضية من حضور في المشهد السياسي والثقافي، واستفادتها من التسهيلات والسماح لها بأشياء كانت قبل قرن من الآن محذورة عليها، ورغم تفاوت البلدان العربية في ذلك من تمكين المرأة من حقها الذي سلب منها منذ فجر التاريخ البشري- ما زالت في خطوة أولى في طريق شائك، ومليء بالألغام، فهي في مسارها التحرري هذا مثقلة بإرث من ثقافة التمييز التي تستمد قوتها ومناعتها من الفهم الخاطئ للقرآن الكريم العادل في مجمله.

فالمنظومة الثقافية العربية مترعة بأقوال وأحاديث مزورة، وأشعار وأمثال كلها تحمل ازدراء واحتقارا اتجاه المرأة، ككائن بشري ناقص الأهلية في تلك المنظومة المترهلة، وأصبح الرجل العربي هو الآخر ضحية لتلك المنظومة فمارس هيمنته وعظمته بأنه هو صاحب التشريع وسن القوانين، ويعطي للمرأة أحيانا حصة في التمثيل السياسي (كوتا) حتى كاد أن يقول مع الحلاج (الحسين بن منصور ت309هـ): « سبحاني ما أعظم شأني ».

ولكي لا أتهم بالمبالغة والتحامل على المجتمع (الرجل) فإنني سأقدم نماذج من الكاتبات العربيات المتميزات وهن معاصرات ومثقفات، كتبن بجرأة وعمق عن تلك الإشكالات التي مازالت تقف في حق المرأة في الحرية التامة، أي القضاء على تلك الثقافة الغير عادلة. لقد مثلت الرواية النسوية في هذا المجال أحسن تمثيل، وحددت معالم النضال في وجه تلك التراكمات، التي مازالت تأن تحت وطأتها المرأة العربية مهما حصلت عليه من امتيازات، وما علقت على جبينها من نياشين الحرية...

فرغم أن « القصة القصيرة » من أجمل فنيات السرد لأنها من « السهل الممتنع » إلا أن الرواية بشموليتها ورصدها للواقع بعين ثاقبة، وقلم رصين استطاعت أن تعطي للخطاب النسوي سمات النضال بصفة أكثر تمكنا من غيرها من الأجناس السردية الأخرى.

فعندما نقرأ لأربع كاتبات أعمالهن الروائية كنماذج من أطراف الوطن العربي في رواياتهن اللواتي حصلن على امتيازات وشكلن الصدارة في الرواية العربية، لأنهن كتبن برؤية نضالية تكاد تكون معتدلة ورصدن الواقع بموضوعية؛ لأن الأدب الناجح هو ذاك الذي يشبه المرآة الصافية، وبتلك الروايات نشاهد صور المجتمعات العربية وقد تجلت مشكلة المرأة فيها كوحدة عضوية نظرا لتشابه العقلية والثقافة، لتلك المجتمعات، وبذلك تظهر جمالية السرد النسوي!.

فمثلا عندما نأخذ من الجزائر: الكاتبة أحلام مستغانمي في ثلاثيتها التي كادت « أن تملأ الدنيا وتشغل الناس » وهي: « فوضى الحواس » و « ذاكرة الجسد » و"عابر سرير". ومن موريتانيا الكاتبة –التي ما زالت لم تحصل على ما تستحق- سميرة حمادي في روايتها: « حشائش الأفيون ». وهاتان الكاتبتان من المغرب العربي.

أما من المشرق العربي فنقرأ:" بنات الرياض" للكاتبة الشابة: رجاء صانع من السعودية والتي أخذ قلمها ناصية الرصد الأدبي الجميل؛ وبذلك أثارت ضجة، وتلك ميزة الأدب الناجح. أما من سوريا فإن الكاتبة هيفاء بيطار أشفت الغليل فيما يدور في شوارع سوريا ولبنان من حرية يشوبها الضياع، وذلك في روايتها: « امرأة من هذا العصر ».

فعندما نقرأ لهؤلاء النسوة تتبدى لنا معاناة المرأة العربية من محيط وطنها إلى خليجه، ونعي جيدا أن الخطوات مازلت مثقلة بتراكمات القرون، ونفايات الفكر المتحجر.

فرغم وجود الذاتية في كلا الأعمال إلا أن المشكلة تظل واحدة: امرأة عربية تائهة في درب زمن أعطى زمامه للرجل فشكله على مقاسه (الفقه، التفسير، الأمثال...) فعندما كانت « أحلام » تكتب عن النضال الجزائري والثورة، ومدينة قسطنطينية (عاصمة الشرق الجزائري) وعن دور جسورها الحضاري الصامد، فكان حظ المرأة من ذلك خافت ودورها في الحياة السياسية محدود لأن السياسة في عرف المجتمعات العربية « امتياز الرجال ». وعلاقتها بالرجل خاصة إذا كان زوجا « فإنها سترسو بها حتما على شاطئ من المفاجآت ».

أما « حشائش الأفيون » لسميرة فإنها استطاعت أن تصور لوحة غاية في الجمال عن المجتمع الموريتاني مطلع الستينات من القرن الماضي، إبان تشكل ملامح الدولة الوطنية، فقدمت المرأة (عن غير قصد منها) ذلك الإنسان التائه المنفي داخل منازل مفتوحة وخيام مشرعة ضمن « وجوه تعرفها وأخرى لا تعرفها ».

أما الشابة السعودية رجاء الصانع فقد رسمت بإحساس مرهف ووعي ثاقب جملة مشاكل تدور داخل الحريم وخلف الستار...

أما هيفاء البيطار التي كتبت عن المجتمع السوري واللبناني فقدمت صورة عن مجتمعات متحررة إلى حد كبير إلا أن تلك الحرية لم تلبي للمرأة الحياة العادلة التي تنشدها، لأنها حرية مزيفة فكان نصيب البطلة الضياع حتى أغرقتها الحرية بالانقياد للشهوات، وصار جسمها سلعة معروضة للطلب تحت نزوات الرجال، كل هذا كان تحت إكراه الحرية لأنها « امرأة من هذا العصر ».

فحصلت على حرية مائعة فكانت على حساب الدين والعرض، وهما أهم أركان منهج وعماد تلك الحرية المستقيمة (المفقودة) التي جاء بها الرسول (ص) وعامل بها نساء المدينة المنورة، لكن مصادر التاريخ الإسلامي تجاهلت ذلك ولم تهتم به لكي لا يكون للمرأة مرجعية بهذه الدرجة من القوة الدينية!

فأحجبت تلك المنهجية وغيبت بين رفوف تراث عصور الانحطاط. وإسرائيليات وهب بن منبه، وكعب الأحبار، (يهوديان دخلا الإسلام في عهد عمر بن الخطاب) لكن الرسول (ص) يظل دائما مرجعيتنا ومؤسس مسيرتنا الإصلاحية، ورحم الله الإمام مالك بن أنس عندما يقول: « والله لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».

تربة بنت عمار
أستاذة التاريخ الإسلامي بجامعة نواكشوط


نسخة للطباعة نسخة للطباعة



إضافة تعليق

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد مديري الموقع.

(لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة)

جميع الحقوق محفوظة لموقع موري ميديا 2011-2017 م